الأحد 6 يوليو 2014 05:07 ص

غازي العريضي، الاتحاد، 6\7\2014

في متابعة للموقف الأميركي من الحرب الدائرة في سوريا، ومع تردّد إدارة أوباما في دعم المعارضة دعماً حقيقياً قادراً على تحقيق توازن مع النظام للدخول في مفاوضات كان يعد لها العام الفائت تحت عنوان «جنيف 2»، وبعد سيل من المواقف أطلقها إدارة أوباما أظهرت قراراً بعدم التدخل وميلاً إلى عدم مساعدة المعارضة تحت عنوان الخشية من وصول السلاح إلى أيدي المتطرفين، كتبت أكثر من مرة أن استمرار الوضع على ما هو عليه سيؤدي إلى موقف يحوّل الهدف في اتجاه آخر وهو الدعوة إلى التركيز على مواجهة الإرهاب، وبالتالي الدخول في مواجهة مع «جبهة النصرة» الفصيل الأبرز آنذاك، وأشرت أيضاً الى إمكانية دخول الولايات المتحدة على الخط من خلال استخدام طائرات من دون طياّر لضرب مواقع «الإرهابيين المتطرفين الذين يشكلون خطراً على الجميع»! كنا أمام «النصرة»، أصبحنا أمام «داعش»، مع وجود تنظيمات صغيرة هنا وهناك، تشبه هذين التنظيمين، أصبح «الخطر» أكبر.

صدرت دعوات عن قمم واجتماعات أوروبية ودولية ومؤتمرات لـ«أصدقاء سوريا» تدعو إلى التعاون بين النظام والمعارضة لضرب الإرهاب! ثم عقدت اجتماعات جنيف 2، وتوقفت بسبب إصرار النظام على مواجهة «الإرهاب» أولاً. وتقدّم النظام على الأرض، وتقاتلت المعارضة، وزاد عدد الوافدين للجهاد في سوريا من أميركا ودول أوروبية وعربية مختلفة وبدأ الخطر ينمو والتحذير يكبر من إمكانية هؤلاء القيام بأعمال إرهابية داخل الدول التي جاؤوا منها!

 اليوم، «داعش» هو الأقوى، هو مشروع دولة إسلامية في بلاد العراق والشام، ثم دولة الخلافة! سيطر على الموصل، ثم على مناطق عراقية كبيرة. وعلى مناطق إضافية في سوريا، وأقام وصلة بين العراق وسوريا مزيلاً الحواجز الفاصلة ومستعرضاً صواريخ سكود بات يملكها. استنفرت أميركا داعية إلى مواجهة «الإرهاب»، مبدية الاستعداد للمساعدة. أرسلت مستشارين إلى بغداد، وتستعد لإرسال فرق خبراء ومقاتلين وأسلحة تحت عنوان حماية السفارة الأميركية في العاصمة، وحماية المطار وطائرات أميركية استطلاعية في الأجواء، بريطانيا حذرت من خطر ارتداد الإرهابيين إلى أراضيها، جاء وزير خارجيتها إلى بغداد أبدى علناً وقوف بلاده إلى جانب الحكومة العراقية في مواجهة «الإرهاب».

روسيا باعت إلى بغداد طائرات سوخوي لضرب «الإرهابيين» في مقابل نقاش مفتوح حول أسباب تمدّد «داعش» وهي استغلال حالة التهميش، والإقصاء والاستهداف للسُنة، فيما يشبه حالة الإجماع حول هذا الموضوع، الذي أكده عدد من قادة الطائفة الشيعية الكريمة المناوئين للمالكي، الداعين إلى حل سياسي يعالج هذه المسألة ويحفظ الوحدة، والرافضين في الوقت ذاته استهداف المزارات والمقامات والمناطق الشيعية.

استغل الأكراد الأمر، سيطروا على كركوك. أعادوها إليهم وكانوا قد خسروها في بداية العشرينيات يوم سُلخت عن إقليم الحكم الذاتي الذي منح لهم. الرئيس مسعود البارزاني يذهب في اتجاه استفتاء على هذه الخطوة التي لن يكون تراجع عنه، داعياً إلى تسوية جديدة في العراق حول الجغرافيا والنفط!

 نحن أمام فتنة سُنية شيعية حقيقية مفتوحة على كل الاحتمالات، وواقع كردي جديد، وهذا يطرح علامات استفهام كثيرة يومياً حول سرعة الوصول إلى هذا الوضع المفاجئ في العراق انطلاقاً من الموصل وكيفية سيطرة «داعش»، إذ يعترف مسؤولون دوليون وعراقيون محليون بمعرفتهم بوجود «داعش» منذ سنوات وتمددها وسيطرتها على موارد مالية كبيرة ولم تفعل أجهزة الدولة شيئاً! هل هي مسألة فساد فقط؟ وقصور عن تقدير عواقب مثل هذا اللعب، أم أن ثمة من كان يزرع بذور الفتنة وينتظر انفجارها؟

كل ذلك يجري في وقت تمر فيه المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة الـ 5+1 في مرحلة صعبة وحساسة. وهذا بازار جديد هنا. إيران تريد اتفاقاً يفتح آفاقاً، وهي في قلب الحدث العراقي. طائراتها فوق الأجواء العراقية أيضاً، بعد أن ساهمت في قلب الواقع السوري لمصلحة النظـام حتى الآن. والحدث العراقي يقلقها، وهناك من بدأ يقول: ما فعله «داعش» هو كسر ما سمي بـ «الهلال الشيعي».

وإيران تخشى التفكك لأنه قد يمتد إليها، وتراقب الوضع الكردي لأنه قد يشكل سابقة ونموذجاً. وتخشى فكرة استرجاع هذه البيئة، وهذه التركيبة أو هذه الدولة أو تلك مناطق تعتبر أنهـا كانت لها مما يعيد رسم خريطة جديدة، من هنا تنظر إلى الجار التركي أيضاً.

تركيا تستفيد من النفط العراقي، لم تبد اعتراضاً بارزاً على دور «داعش» وسيطرتها. والدخول إلى الموصل، ثمة من تحدث أن تركيا تريد بدورها العودة إلى الموصل التي خسرتها عام 1926، وثمة من أشار إلى تحوّل اليوم في السياسة التركية لجهة القبول بالحكم الذاتي الكردي، وأردوغان استقبل مسعود البارزاني كرئيس لإقليم كردستان وليس كقائد أو مسؤول عراقي.

راهن كثيرون على تسوية تكون إيران في أساسها. تغيير المالكي في جلسة البرلمان الأولى، المفاوضات الإقليمية والدولية مفتوحة مع إصرار سُني على تغيير المالكي مهما كلف الأمر، راهن كثيرون على دور إيراني يغير المالكي ويستبدله بواحد يمثله، تكون تلك بداية تريح الوضع الداخلي والمحيط الإقليمي. عقدت الجلسة الأولى، تذكرنا تعطيل انتخابات الرئاسة في لبنان، وعدم اكتمال النصاب.

المشهد ذاته في بغداد، مع حدة في المواقف السياسية بين المكونات الأساسية للبرلمان، ويبدو أن الأزمة مفتوحة لماذا؟ لأن إيران لن تقدّم هذه الورقة من دون ثمن! في المقابل دعا خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز إلى حماية الأمن الوطني السعودي في ظل الوضع العراقي المستجد. وقدم مساعدة بقيمة نصف مليار دولار للعراقيين المتضررين، مؤكداً وقوف المملكة ضد الإرهاب وممارسات داعش! على الجهة المقابلة، كان الجيش العراقي يسيطر على معبر عرعر، انسحب وحلّت محله قوات فيلق بدر! وثمة خوف كبير في الأردن من تداعيات ما يجري.

إسرائيل ترصد كل شيء، تدعو إلى عدم التدخل لأن «أعداءنا يتقاتلون فاتركوهم يفعلون ذلك». وتؤيد استقلال كردستان التي تضخ النفط إليها. في هذا الوقت تعمل جهات على ترتيب مؤتمر تدعو إليه سوريا لمواجهة الإرهاب. نعم، يعود النظام إلى التقدم تحت هذا العنوان، يبرر حربه ودوره، ويبتز كل الذين عارضوه ويحاول جرّهم إلى شعاره وموقفه تدعمه في ذلك روسيا، وتعمل جهات على تنظيم لقاء إقليمي دولي تشارك فيه الدول الكبرى مع إيران وتركيا والسعودية والأردن للبحث في أزمة العراق. لكن التوقيت لا يتيح عقد اللقاءين، والمطلوب مراقبة الخطوط المفتوحة بين الأميركيين والإيرانيين. فاللقاء حصل جواً في بغداد ودخلت إليه طائرات النظام السوري في أجواء دير الزور ضد داعش وللمرة الأولى.

مسؤول عربي التقى وزير الخارجية الأميركية جون كيري قال له منذ أيام: «لقد قصف الجيش السوري شعبه بالسلاح الكيماوي، ولم تتدخلوا بعد تهديداتكم بعمل مباشر إذا ما تجاوز هذا النظام الخطوط الحمر، فلماذا تبدون الاستعداد الآن في العراق»؟

وأضاف: «عليكم أن تعيدوا النظر بسياستكم في سوريا ثم تنطلقون في عمل آخر في العراق». نقل كيري هذا الأمر إلى مسؤوليه ومسؤولين آخرين. وكان الجواب: «لقد أخذنا السلاح الكيماوي من سوريا». فأجابه مسؤول عربي آخر: «وماذا ستأخذون من العراق، بل من المالكي، بل من إيران»؟ هل أنتم على استعداد لفرض شروط معينة تعيد التوازن إلى البلد الذي دخلتم إليه وخلّفتم وراءكم ما خلفتموه؟ ورغم النقاش الذي أعيد فتحه في أميركا حول مسؤولية قادتها فيما آلت اليه الأمور في العراق بعد الغزو الأميركي له، ثم حلّ الجيش، وتم العبث به، والفضائح الكثيرة التي باتت مكشوفة بكل تفاصيلها، جاء الجواب من شريك القادة الأميركيين توني بلير الذي نفى «أي مسؤولية للاحتلال في الوضع الحالي».

هنا أيضاً في قلب لعبة الأمم، أخطر ما فيها اليوم، تصاعد الحديث عن التقسيم. سابقاً كان الحديث عن التقسيم داخل الدول، واقعياً أو رسمياً من خلال تغيير الخرائط، قيل هذا الشيء في لبنان، ثم سوريا، ثم العراق واليمن. ولكن ما يجري اليوم هو تقسيم يؤدي إلى تداخل بين حدود الدول كما حصل على الحدود السورية – العراقية. هذا خطر كبير وقد يكون أنموذجاً لما يمكن أن يجري. مقبلون على خسائر كبيرة ودماء كثيرة ونزوح كبير وكوارث إنسانية!