الأربعاء 9 يوليو 2014 06:07 ص

وليم فاف، الاتحاد، الأربعاء 09 يوليو/تموز 2014

شهد الأيام الماضية إحياء الذكرى المئوية لاغتيال الأرشيدوق فرانز فيرديناند وريث عرش الإمبراطورية النمساوية المجرية، والذي كانت نتيجته اندلاع الحرب العالمية الأولى. وكثيراً ما تم تحليل تسلسل الأحداث المؤدية لذلك، بحثاً عن إجابة لسؤال محير: أي شيء كان وراء كل ذلك؟ وما هو المحرك الفعلي لتلك الحرب التي تركت جرحاً غائراً في تاريخ الحضارة الغربية، والتي كانت تمهيداً للحرب العالمية الثانية أيضاً، ونقطة بداية للعالم الذي نحيا فيه الآن؟

والتفسير التقليدي للحرب في حد ذاتها بين المجتمعات البشرية الأولى هو التنافس على الأراضي والموارد والنساء، وهذا وإن كان منطقياً لكن لا برهان عليه، رغم أن الأساطير الأولى والسلاسل التاريخية والأدبية لحضارتنا تتحدث عن الحروب التي خاضها رجال معاصرون بدافع التوسع، أو الطمع، أو حب الذات.

ويبدو أن تلك الحروب قد تحولت في النهاية إلى الأنظمة الملكية والإقطاعية في أوروبا أثناء العصور الأولى والوسطى، وصراعاتها وحروبها مع المسلمين على الأرض والدين، والحروب الدينية التي حركتها روح الإصلاح في أوروبا التي انتهت في النهاية بـ«صلح وستفاليا»،الذي يمثل بداية نظام الدولة الأوروبية المعاصرة.

وقد استغرق هذا التحول وقتاً طويلاً، من إمبراطوريات مصر وبلاد الرافدين واليونان، وبعدها الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، إلى «صلح وستفاليا» و«مؤتمر فيينا». ويبدو أن دوافع تجمع الشعوب في أمم كانت وراء حداثتها، ثم تسارعت خطى التاريخ بعد ذلك.

وتُوّجت المشاعر الثورية التي نشأت في أوروبا الإقطاعية بعد عام 1789 في إعدام المعارضين باستخدام المقصلة، ثم حروب نابليون، وأخفقت في محاولتها فرض نظام الدولة الحديثة، لكن في النهاية وجدت أوروبا ضالتها في «مؤتمر فيينا» الذي انتهى باستقرار الملكية في فرنسا، والتأكيد الضمني على الحكم الملكي لآل هابسبيرغ في النمسا، ورومانوف في روسيا وبيروسيا وشقي ألمانيا.

ووصف المنتقدون ما أسفر عنه «مؤتمر فيينا» بأنه «الاستبداد المستنير»، ورغم ذلك أصبحت فرنسا جمهورية بعد ثمانين عاماً، وفتحت الباب أمام عصر سياسي جديد من الأنظمة الملكية الدستورية في أوروبا، بينما قدمت الجمهورية الأميركية نموذجاً للحكومة الممثلة للشعب.

وقد دخلنا إلى عصرنا الحالي، الذي لا يزال تسيطر عليه القومية.. تلك النزعة القديمة التي تحفزها القبلية، وهيمنت عليها حديثاً الأيديولوجية السياسية، وعقيدة الألفية السعيدة.

وكان مقصود الإرهابيين القوميين الصرب من حادثة اغتيال سراييفو هو تدمير إمبراطورية هابسبيرغ النمساوية، وقد نجحوا في ذلك، وربما كان من الممكن القول إن الحرب العالمية الأولى هي آخر حروب البلقان.. لكنها بالطبع لم تكن كذلك، إذ لحقتها حروب يوغوسلافية متتالية في حقبة التسعينيات.

وقد كانت النتيجة السياسية الأكثر تأثيراً في الحرب العالمية الأولى هي استرضاء تلك القوميات بإنشاء جمهوريات البلطيق والبلقان، في خضم تفكك الإمبراطورية العثمانية المهزومة.

ووجدت الكيانات العربية التي أنشأتها القوى الكبرى اعتباطياً على حدود تفتقر عادة للشرعية التاريخية، وأصبحت منحاً وعطايا لبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وتشبهت تلك الشعوب بالروح القومية للدول الأوروبية الناشئة حديثاً، لكن الشعوب الإسلامية كانت تدرك تاريخ وحدتها أثناء العصور الوسطى تحت مظلة الخلافة، ثم تحت قيادة الأتراك ضمن الإمبراطورية العثمانية.

وكانت تلك الشعوب متأهبة لانفجار القومية العربية التي أتبعت الحرب العالمية الثانية، لاسيما بعد قيام دولة إسرائيل، التي ذرعت بالقوة في فلسطين، ثم توسعت بعد ذلك في عام 1967 من الحدود التي وقعت عليها الأمم المتحدة في عام 1948 لتحتل أراضي عربية أخرى في الضفة الغربية ونهر الأردن، وحتى ذلك الوقت، كانت حدود كافة الدول العربية الكبرى حدوداً مصطنعة، رسمها الدبلوماسيون البريطانيون والفرنسيون والإيطاليون، ورسامو الخرائط في الأمم المتحدة والجنود الإسرائيليون، لكن الأنظمة الاستعمارية فرضتها فرنسا وبريطانيا بعد الحرب التي استمرت من 1914 إلى 1918 أو من قبل إيطاليا في ليبيا عام 1910 (التي أصبحت بعد ذلك مستعمرة لإيطاليا الفاشية، وظلت لوقت قصير مملكة دستورية غنية بالنفط مرضي عنها لدى الأمم المتحدة، ثم ما لبثت أن سقطت في انقلاب القذافي الذي أطاحته قوات حلف «الناتو» قبل عامين). وأضحى الجميع الآن يرغبون في الثأر، بينما أصبحت الولايات المتحدة مغرورة بالقوة التي اكتسبتها أثناء الحرب الباردة، وتحولت إلى دولة مسؤولة عن الشؤون العالمية لا يمكن الاستغناء عنها.

والنتيجة التي نستنبطها من هذا السرد التاريخي المبسط، هو أن عجلة التاريخ تتحرك، لكن ليس دائماً إلى الأمام؛ ذلك أن جمهوريات متواضعة أعلنت عن نفسها كقائدة لركب الإنسانية، بينما تجد الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية نفسها عاجزة عن الانتصار في حروب شنتها ضد مجتمعات بدائية. والجهاديون العرب مولعون بماضيهم «المجيد» ومستقبلهم الذي يرونه من منظور ديني، فتدفعهم سموم الجرائم التي اقترفها الاستعمار، والرغبة في امتلاك أحلام الوهم، إلى تدمير أنفسهم، وهو أمر ستكون نهايته مأسوية.