الأحد 1 يوليو 2018 04:07 ص

قبل نصف قرن وتحديدا قبل نهاية عام 1968 انتهى عالم السياسة الشهير صامويل هنتنغتون من كتابة أحد أكثر كتب العلوم السياسية قوة وتأثيرا فى النصف الثانى من القرن العشرين، وجاء عنوان الكتاب «النظام السياسى وتغير المجتمعات».

حاول هنتنغتون بفضول معرفى كبير البحث عن إجابة لسؤال حول أسباب وقوع دول العالم الثالث فى حالات الفوضى أو الأزمات السياسية، وكانت إجابة هنتنغتون المختصرة تركز على أن هذه الحالة تصل لها دول العالم الثالث بسبب عدم وجود مؤسسات سياسية متطورة تستطيع التأقلم والبقاء مع وجود تغيرات مجتمعية كبيرة.

وأكد هنتنغتون، الذى يعد أهم علماء السياسة المعاصرين (توفى عام 2008، وحاز على شهرة كبيرة بعد كتابه عن "صراع الحضارات") أنه ومع كبر وتطور المجتمعات وتعقدها وتنوعها، سيكون من الصعوبة الحفاظ على الاستقرار السياسى إلا بوجود مؤسسات سياسية فاعلة قادرة على مواجهة هذه المتغيرات المجتمعية.

إلا أن هنتنغتون أشار أيضا إلى أن المجتمعات التى تتمتع بمؤسسات سياسية قوية، قد يحدث لها تدهور مؤسساتي إذا لم يتم صيانتها وتطويرها.

ويبدو أن هذا تحديدا هو ما تشهده الولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات الغربية خلال السنوات الأخيرة، من خلال عدم تحديثها لمؤسساتها الحاكمة كى تقابل التوقعات الكبيرة والمطالب المتغيرة من مواطنيها.

*  *  *

ورغم تمتع الولايات المتحدة بمؤسسات سياسية راسخة، إلا أنها جامدة غير متغيرة ولم تأخذ فى الحسبان التغيرات الواسعة التى يشهدها المجتمع الأمريكى. مؤسسات مثل المجمع الانتخابى، وهو المؤسسة التى سمحت بوصول دونالد ترامب لسدة الحكم رغم تفوق هيلارى كلينتون بما يقرب من ثلاثة ملايين صوت عليه.

أما مؤسسة مجلس الشيوخ فتتساوى فيها ولاية كاليفورنيا ذات الأربعين مليون نسمة، وصاحبة الناتج القومى الإجمالى البالغ 2.7 تريليون دولار العام الماضى، وولاية وايومنغ التى يقطنها نصف مليون نسمة، وناتجها القومى الإجمالى لا يتعدى 40 مليار دولار.

وهذا يمنع أقاليم أمريكا الساحلية الليبرالية، والأكثر كثافة سكانيا وأكثر تقدما تكنولوجيا من لعب دور أكبر فى منظومة الحكم.

تدهور أداء ودور الأحزاب السياسية الأمريكية بصورة غير مسبوقة خاصة بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 والتى جاءت أيضا مصاحبة لانتخاب باراك أوباما كأول رئيس أسود في التاريخ الأمريكى. وتضاءلت مشاركة المواطنين فى العملية الانتخابية بصفة عامة، وصعد نجم جماعة حزب الشاى التى وقفت على يمين الحزب الجمهورى المحافظ.

وظهرت علامات التردى فى سلوكيات وتكتيكات الحزبين، فمن ناحية ضعفت إمكانيات الحزبين فى الوصول لمواطنين وأتباع جدد وترهلت القدرات التنظيمية لهما، فى الوقت الذى صعب فيه عملية تحويل تفضيلات الناخبين والمواطنين إلى سياسيات.

وتراجعت قدرات الحزبين على تعبئة المواطنين أو مشاركتهم فى أنشطة حزبية على المستوى المحلى. بل وصل الأمر بالحزب الديمقراطى على سبيل المثال ليتجاهل مناطق واسعة ويختفى تدريجيا من الوجود فى العديد من الولايات الأمريكية التى أصبحت السيادة المطلقة فيها للحزب الجمهورى.

وسهل ذلك بصورة واضحة سيطرة أنصار تيار حزب الشاى على هذه الولايات المضمونة للجمهوريين، ومن ثم تم التركيز على الولايات المتأرجحة أو الديمقراطية، وهو ما سهل من فوز الرئيس ترامب لاحقا عام 2016.

وعقب هزيمة الديمقراطيين فى الانتخابات الرئاسية والتشريعية عام 2016، يبدو أن تيارا ليبراليا متطرفا فى طريقه للسيطرة على الحزب فى ظاهرة مشابهة لما قام به حزب الشاى قبل عشر سنوات، إن كان يخالفها فى الاتجاه.

*  *  *

خلال حملته الرئاسية تبنى دونالد ترامب مبدأ «أميركا أولا» فى السياسية الخارجية، وهى السياسة التى تمثل خروجا كبيرا على الإجماع الأمريكى الديمقراطى والجمهورى المؤسسى الذى سيطر على ملفات السياسة الخارجية خلال العقود الأخيرة بدون إحداث تغييرات هيكلية فى جوهرها.

ويستند مبدأ أميركا أولا فى جوهره على قناعة أن المؤسسات الحاكمة بأميركا اتبعت سياسات خارجية خاطئة كلفت أمريكا كلفة عالية مالية وإنسانية دون مقابل وعلى حساب تجاهل الاهتمام بالتقوية والبناء داخل أمريكا نفسها.

وهو ما أدى لتراجع مكانة أمريكا فى عدة مجالات حيوية كالتعليم الابتدائى، ووفرة شبكات الكهرباء والإنترنت السريعة، وحجم الطرق السريعة وطرق السكك الحديدية والرعاية الصحية.

ويعارض ترامب وبقوة اتفاقيات التجارة الحرة التى هى عماد التجارة الدولية وذلك على العكس مما يؤمن به ويدعمه الحزب الجمهورى. يتعهد ترامب بإعادة التفاوض حول اتفاقية «نافتا» منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية وتضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

ويعارض كذلك اتفاقية منطقة آسيان، الشراكة التجارية لمنطقة المحيط الهادى، والتي تضم إضافة للولايات المتحدة اقتصاديات شرق وجنوب آسيا الصاعدة والتقليدية. ولطالما آمن الحزب الجمهورى بفلسفة الأسواق الحرة وحرية انتقال رءوس الأموال والشركات كعوامل ضرورية لدفع الازدهار الاقتصادي.

بينما يفرض ترامب سياسات حمائية لخدمة العامل والمنتج الأمريكى، ويفرض تعريفة جمركية، وضرائب على المنتجات الواردة من الصين وغيرها من الشركاء التجاريين لأمريكا.

قام ترامب بما سبق ضاربا بقواعد التجارة الحرة عرض الحائط. ثم جاء قرار نقل السفارة للقدس وقرار الانسحاب من الاتفاق النووى مع إيران ليعكسا استهتارا بثوابت راسخة للسياسة الأمريكية.

*  *  *

سيترك ترامب البيت الأبيض بعد عامين أو ستة أعوام ربما، وربما يتركنا حتى قبل ذلك. لكن من المؤكد أن ما بدأه ترامب لم يكن بداية بل كان تتويجًا لتغيرات شهدتها السياسة الأمريكية منذ 2008، ولن تنتهى هذه التغيرات فى ظل نجاح التيار الترامبى فى إثارة قضايا وأزمات بلا توقف.

أزمات المهاجرين، والأزمات الاجتماعية المتعلقة بالإجهاض أو مواجهات الشرطة مع السود أو القوميين البيض الجدد، ستظل تطل برأسها وتحدد اتجاه سير الولايات المتحدة السياسى نحو مسار أكثر راديكالية، وأكثر استقطابا.

- محمد المنشاوي، كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن.

المصدر | الشروق المصرية