السبت 6 أكتوبر 2018 11:10 ص

أيام قليلة مضت على إعلان اختفاء الكاتب السعودي "جمال خاشقجي"، حتى تعرض محبوه لصدمة كبرى تمثلت في تأكيد خبر مقتله داخل قنصلية بلاده في إسطنبول.

وشهدت قضية "خاشقجي" تطورات دراماتيكية سريعة خلال الأيام القليلة الماضية، وبدأت الصدمة حينما راجع "خاشقجي" القنصلية السعودية في إسطنبول قبل أسبوع من اختفائه لإجراء معاملة عائلية فيها، لكن موظفي القنصلية طلبوا منه العودة بعد أسبوع لإتمام الإجراءات المتعلقة بمعاملته لأسباب بيروقراطية.

وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، راجع "خاشقجي" القنصلية السعودية، بناء على طلب الموظفين داخلها، ولكن يبدو أنه لم يكن مطمئنا لما سيجري، فاصطحب خطيبته التركية "خديجة أزرو" معه وأخبرها أن تقوم باللازم إذا ذهب ولم يعد، وهو ما حدث.

وأكدت خطيبة "خاشقجي" أنه دخل إلى مبنى السفارة في الساعة الواحدة ظهرا، لكنه لم يخرج حتى موعد انتهاء الدوام الرسمي.

دخل ولم يخرج!

وسط هذه الحالة من الغموض، أعلنت السلطات السعودية استعادتها مطلوبا للأجهزة الأمنية لديها عبر "الإنتربول"، ولكن تأخر "خديجة" في الإبلاغ عن اختفاء "خاشقجي" وانتظارها حتى نهاية الدوام الرسمي، جعل تحركات الأمن التركي للتحقيق في الأمر تبدأ متأخرة نسبيا.

وعلى الفور، حضرت الشرطة التركية إلى مقر القنصلية، وعند سؤال الموظفين أكدوا أنه غادر قبل ربع ساعة فقط.

لكن مسؤولين أتراك أكدوا أن "خاشقجي" لم يخرج من البلاد، ولا يزال محتجزا داخل القنصلية السعودية.

وفي اليوم التالي لاختفاء "خاشقجي"، كشف مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية أن بلاده تجري تحقيقات بشأن اختفاء الكاتب السعودي.

وبالتزامن مع ذلك، دخل إعلاميون عرب وأتراك في اعتصام أمام مقر القنصلية السعودية في إسطنبول، للمطالبة بالإفراج عن "خاشقجي"، في الوقت الذي بدأت فيه خطيبة "خاشقجي"، اعتصاما أمام القنصلية، سعيا للحصول على معلومات حول اختفائه.

وبمرور الوقت بدأ الموقف التركي يتشكل رسميا، ففي ذات اليوم أعلن المتحدث باسم الرئاسة التركية "إبراهيم قالن"، أن "خاشقجي" لا يزال داخل قنصلية المملكة في إسطنبول.

أما المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة "ستيفان دوجاريك"، فقد أعرب عن قلقه لما حدث مع "خاشقجي"، آملا العثور عليه سليما.

ولم تستطع القنصلية السعودية في إسطنبول الصمت طويلا أمام المطالبات التركية والدولية بالكشف عن مصير "خاشقجي" فأصدرت بيانا، الأربعاء الماضي، قالت فيه إنها تتابع وتنسق مع السلطات المحلية التركية لكشف ملابسات اختفاء "خاشقجي".

وفي اليوم الثالث لاختفاء "خاشقجي" استدعت الخارجية التركية القائم بالأعمال السعودي لديها، للاستفسار منه عن مصير الكاتب السعودي؛ فيما وجهت خطيبة "خاشقجي"، رسالة للحكومتين التركية والسعودية تتساءل فيها عن مصير خطيبها.

وقالت "خديجة" في تغريدة لها عبر "تويتر": "بعدما مضت 3 أيام من اختفائه.. هنا أسال كأي إنسان عادي بعيدا عن مشاعري العاطفية، لحكومتي التركية أين أستاذ جمال...؟! وأسأل السلطات السعودية أين مواطنكم أستاذ جمال؟؟!".

وفي اليوم الرابع، طالبت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، الحقوقية الدولية، الحكومة السعودية بتقديم أدلة على مزاعمها بأن "خاشقجي" غادر قنصليتها في إسطنبول، دون اعتقاله.

واعتبرت المنظمة -مقرها نيويورك-، في بيان لها، أن احتجاز السعودية "خاشقجي" دون الاعتراف بذلك، يشكل إخفاء قسريا.

في هذه الأثناء، بدأت مصادر أمنية تركية تكشف بعضا من المعلومات عن القنصلية السعودية والإجراءات التي اتخذتها الحكومة التركية حيال اختفاء "خاشقجي".

وقالت المصادر الأمنية إن القنصلية السعودية بإسطنبول بها موقفين للسيارات، أحدهما عام وخارجي، والآخر خاص وسفلي، مؤكدة أن السلطات التركية رصدت خروج سيارات من الموقف السفلي قبل انتهاء الدوام الرسمي بالقنصلية.

وأشارت المصادر إلى أن الاستخبارات والشرطة التركية وجهت جميع المطارات والمنافذ بالبلاد للقيام بمراقبة دقيقة لحركة المسافرين الخارجين، موضحة أن ذلك التعميم صدر في الخامسة تماما، مساء يوم الاختفاء.

وذكرت المصادر أن السلطات راجعت خلال الساعات الماضية بدقة شديدة كاميرات المراقبة الخاصة بالمطارات والمنافذ، وتبين أن "خاشقجي" دخل تركيا، لكنه لم يخرج منها حتى الآن.

"بن سلمان" وتفتيش القنصلية

ومع تصاعد وتيرة المعلومات المسربة من الجانب التركي، ظهرت تصريحات لولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان"، في ذات اليوم، تشير إلى أن المملكة مستعدة للسماح لتركيا بتفتيش مبنى قنصليتها في إسطنبول للبحث عن "خاشقجي".

وقال "بن سلمان"، في تصريحات لوكالة "بلومبرغ": "نسمع عن شائعات حول ما حدث. خاشقجي مواطن سعودي ونحن حريصون جدا على معرفة ما حدث له، وسنستمر في محادثتنا مع الحكومة التركية لمعرفة ما حدث له هناك".

وحول دخول "خاشقجي" مقر القنصلية، قبل أن يختفي داخلها، قال "بن سلمان": "ما أعرفه هو أنه دخل وخرج بعد دقائق قليلة أو ربما ساعة نحن نحقق في هذا الأمر من خلال وزارة الخارجية لمعرفة ما حدث بالضبط في ذلك الوقت".

ورفض ولي العهد السعودي التعليق حول توجيه تهم لـ"خاشقجي" في المملكة، قائلا: "نريد أن نعلم أولا أين خاشقجي"، مؤكدا أنه لو كان في المملكة لعرف ذلك.

اغتيال

وفي اليوم الخامس لاختفاء "خاشقجي" (السبت)، أعلن مكتب المدعي العام التركي في إسطنبول فتح تحقيقات رسمية في قضية اختفائه فيما بدا وكأنه إشارة لنفاد صبر الجانب التركي.

وفي ذات اليوم، أكد المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية (الحاكم) في تركيا "عمر جليك"، أن بلاده ستكشف مكان "خاشقجي"، والمسؤولين عن اختفائه.

ولاحقا قالت مصادر أمنية تركية إن 15 سعوديا بينهم مسؤولون، وصلوا إلى إسطنبول على متن طائرتين، وتواجدوا بالقنصلية السعودية بالتزامن مع وجود "خاشقجي" فيها.

وأضافت المصادر، أن المسؤولين عادوا لاحقا إلى البلدان التي قدموا منها، دون أن يغادر "خاشقجي" القنصلية.

واعتبر مستشار الرئيس التركي "ياسين أقطاي" أن حادثة اختفاء "خاشقجي" في قنصلية المملكة بإسطنبول، هجوما ضد تركيا، داعيا حكومة بلاده ﻷخذ ذلك بعين الاعتبار.

وفي الدقائق الأخيرة من مساء السبت، قال مصدران تركيان إن التقييم الأولي للشرطة التركية، يشير إلى أن "خاشقجي" قتل في القنصلية السعودية بإسطنبول.

ونقلت وكالة "رويترز" عن أحد المصدرين وهو مسؤول تركي أن اغتيال "خاشقجي" كان مدبرا وتم نقل جثته إلى خارج القنصلية.

لاحقا، ذكرت وسائل إعلام نقلا عن مصادر خاصة أن الكاتب السعودي تم التحقيق معه تحت التعذيب وتم تصويره بفيديو ثم قتل، وأن الفيديو تم إرساله إلى جهة في السعودية.

ويبدو أن الساعات المقبلة ستكشف تفاصيل ومعلومات عن تلك الجريمة المروعة التي ستلقي بظلالها على العلاقات السعودية التركية خلال الفترة المقبلة.

المصدر | الخليج الجديد