الأربعاء 10 أبريل 2019 10:04 ص

مصر… السلطوية تتفوق على منافسيها

ما هي العوامل التي تفسر الوضعية المصرية الراهنة: وضعية الامتناع عن مقاومة السلطوية؟

الممارسات السلطوية تجد طريقها بمصر دون مقاومة حقيقية من جانب مواطنين طالبوا سابقا بحكومة ديمقراطية.

ما سبب تجاهل قطاعات واسعة من الرأي العام مع حصاد الممارسات السلطوية من تعقب وعقاب وقمع وانتهاكات؟

أصدر السيسي قوانين وتعديلات قانونية عديدة عبر البرلمان أو بقرارات رئاسية لشرعنة السلطوية في الحياة السياسية والفضاء العام.

*     *     *

من يطالع المشهد السياسي الراهن بمصر، سيجد صعوبة بالغة في العثور على أثر لانتقال ديمقراطي طرق أبواب هذه البلاد قبل سنوات قليلة. فالرئيس عبد الفتاح السيسي، ضابط الجيش السابق، يحكم بقبضة حديدية وتجاوزت فترته الرئاسية الثانية (2018-2022) والأخيرة وفقا للدستور المعمول به (دستور 2014) عامها الأول.

غير أن البرلمان (مجلس النواب)، وأغلبيته تتكون من رجال يدينون بالولاء للرئيس ومن أعضاء انتقتهم الأجهزة الأمنية وضمنت لهم الفوز في الانتخابات التشريعية وهيأت لهم السيطرة على اللجان البرلمانية، يعمل حاليا على تغيير القواعد الدستورية ليمكّن الرئيس من البقاء بالحكم لما هو أبعد بكثير من نهاية فترته الثانية.

منذ صعوده إلى سدة الحكم في 2014، أصدر رئيس الجمهورية العديد من القوانين والتعديلات القانونية إن بالتصديق عليها بعد أن مررها البرلمان أو بإصدارها كقوانين بقرارات رئاسية والتي هدفت إلى شرعنة الممارسات السلطوية في الحياة السياسية والفضاء العام.

تتنوع الأمثلة، من قانون التظاهر الذي يجعل من الحق في التظاهر السلمي حقا صعب المنال ومحفوف بمخاطر جمة إلى اللوائح المنظمة لعمل الجامعات الحكومية التي تعصف بالحريات الأكاديمية، ومن قوانين الصحافة والإعلام التي تتهدد المغردين خارج «سرب التأييد» بالتعقب والعقاب إلى قانون الجمعيات الأهلية الذي يأتي بممثلي الأجهزة الأمنية ليصطنع وحشا حكوميا للرقابة الشاملة على المجتمع المدني.

الغريب في الأمر هو أن هذه الممارسات السلطوية تجد طريقها إلى مصر دون مقاومة حقيقية من جانب مواطنين طالبوا منذ سنوات قليلة بالحكومة الديمقراطية.

الغريب في الأمر هو ذلك التجاهل الذي تتعامل به قطاعات واسعة من الرأي العام مع حصاد تلك الممارسات السلطوية من تعقب وعقاب وقمع وانتهاكات. فما السبب؟

بداية، لا يعدم رئيس الجمهورية ورجاله المقولات التبريرية لإقناع الناس بكون «الضرورات الوطنية» و«مقتضيات الحفاظ على الأمن القومي» تستدعي تمرير القوانين المقيدة للحقوق والحريات. تتواتر الإشارات إلى الحرب على الإرهاب الذي يشكل بالفعل تحديا جوهريا لأمن مصر خاصة في سيناء وكذلك إلى مواجهة التطرف الديني الذي يهدد بإشعال العنف الأهلي.

ويتناسى الرأي العام كون الحرب العادلة والناجحة على الإرهاب لا شأن لها بالإلغاء الفعلي للحق في التظاهر السلمي وأن القضاء على التطرف الديني لا ينفذ من بوابة حصار المجتمع المدني.

يوظف رئيس الجمهورية أيضا مقولات شعبوية ذات صياغة دينية وقومية على نحو يصنع منه في الخطاب الرسمي والخطاب الإعلامي المدار أمنيا البطل الأوحد للبلاد القادر على حماية الوسطية الدينية والفهم المتسامح للعقيدة والقادر في نفس الآن على تحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين وعلى إقرار الحقوق المتساوية للنساء والرجال داخل الأسر المصرية وفي أماكن العمل وفي القطاع الخاص وفي مؤسسات الدولة.

لذلك يظهر رئيس الجمهورية في المناسبات الدينية الإسلامية محاضرا عن مواجهة التطرف وإصلاح الخطاب الديني ويفتتح في المناسبات الدينية المسيحية كنائس جديدة أو مجددة.

وإن كان تسييس مسألة إصلاح الخطاب الديني و"دولنته"– أي بتحويلها إلى شأن من شؤون الحكم ومؤسسات الدولة ـ يخصم من مصداقية الجهات الدينية المعنية بإدارة مسألة الإصلاح هذه (الأزهر الشريف ومؤسسة الإفتاء)، فإن رمزية افتتاح الكنائس تظل بالغة الإيجابية حيث أنها تنهض كإقرار باعتراف الدولة بالحقوق المتساوية للمواطنين الأقباط والمسلمين.

وتمد في فترة تشهد بين الفينة والأخرى أحداث عنف طائفية مظلة الحماية الرسمية لممارسة الشعائر الدينية إلى الأقباط. 

لذلك يظهر رئيس الجمهورية أمام كاميرات الإعلام وهو يتفاوض مع ممثلي المؤسسات المالية العالمية ومجالس إدارات الشركات متعددة الجنسية للاتفاق على برامج المنح والقروض أو للحصول على شروط تجارية أفضل، وأمام نفس الكاميرات وهو يناقش سير العمل الاقتصادي والأمني مع حكومته.

لذلك أيضا تصدر التكليفات الرئاسية للحكومة في احتفالية «الأمهات المثاليات» بإعداد قوانين جديدة لحماية النساء من العنف المنزلي ولتمكينهن في الانخراط في أماكن العمل والمؤسسات الخاصة والعامة بمساواة كاملة مع الرجال.

وعلى هذه الأصعدة جميعا، من الاقتصاد والأمن إلى وضع المرأة، يكتسب رئيس الجمهورية رضاء قطاعات مؤثرة من المصريين الذين يرون الاقتصاد والأمن كأولويتي بلادهم الأساسيتين ويؤيدون بأغلبية كبيرة (بعض مفردات) المساواة بين النساء والرجال.

رغم ذلك، يصعب توصيف المقولات التبريرية المستخدمة لتمرير القوانين المقيدة للحقوق والحريات والممارسات السلطوية الناجمة عنها بالجديدة.

فهي لم تغب أبدا عن دولاب قول وفعل الحكومات المتعاقبة منذ 1952، ولم يمنحها المواطنون دوما مصداقية شعبية، وفندوها في بعض الأحيان على نحو دفعهم إلى الخروج إلى الفضاء العام والمطالبة بالتحول الديمقراطي كما في 2011. فما الذي تغير اليوم؟

أحسب أن هناك حزمة من العوامل التي تفسر الوضعية المصرية الراهنة، وأسميها وضعية الامتناع عن مقاومة السلطوية.

العامل الأول يتمثل بفي نجاح رئيس الجمهورية ورجاله في نزع الشرعية عن الحراك الديموقراطي الذي شهدته البلاد بين 2011 و2013، وذلك عبر المرادفة الظالمة وغير الموضوعية بينه وبين أخطار انهيار الاقتصاد والفوضى وغياب الأمن.

في الخطاب الرسمي وفي الإعلام المدار أمنيا تصدر تلك المرادفة الظالمة بانتظام وكثافة يستهدفان غسل الأدمغة (أو نسف الأدمغة على حد تعبير العظيم الراحل خيري شلبي) ودفع الناس إلى تناسي إيجابيات الخروج السلمي إلى الفضاء العام طلبا للحق والحرية والعدل وقبل ثلاثتهم للخبز.

العامل الثاني، رتب الصراع بين الحركات العلمانية والإسلامية بين 2011 و2013 فقدان واسع النطاق لثقة الناس في قدرة تلك الحركات على إدارة تحول ديمقراطي ناجح وفي قدرتها على تحسين الظروف الاقتصادية والأمنية لجموع المصريين.

ولم تكن مصداقية الحركات العلمانية والإسلامية هي وحدها ضحية فقدان الثقة هذا، بل ذهبت أيضا أدراج الرياح مصداقية الفكرة الديمقراطية. ومن هنا نفذ رئيس الجمهورية الحالي ورجاله ليرادفوا بين الديمقراطية وبين الفوضى وليعدوا الناس بتحسين الاقتصاد والأمن شريطة الامتناع عن مقاومة السلطوية.

أما العامل الثالث والأخير فيرتبط بنجاح الحكم الراهن في اقناع قطاعات واسعة من المصريين بكونه أملهم الوحيد في ظروف اقتصادية وأمنية أفضل على المدى القصير وبغياب كل بديل جاد له، وهو ما يدفع الناس إلى تجاهل انتهاكات الحقوق والحريات والصبر على الممارسات السلطوية علها يوما تتراجع.

* د. عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية وباحث بجامعة ستانفورد الأميركية

المصدر | القدس العربي