الأحد 23 يونيو 2019 03:06 م

ظاهرتان فارقتان.. عن دول إقليمية ولاعبين لادولتيين

الزمن الذي كانت فيه القوى الدولية العظمى تُسقط عروشاً وتزرع حكاماً وتقرر مصائر وترسم مسارات.. انتهى!

الزمن الذي كانت فيه الدولة هي اللاعب المنفرد و"المحتكر الوحيد للسلاح والإعلام والشرعية" انتهى!

تظهر أزمات المنطقة في الخليج وسوريا واليمن وليبيا، أن ثمة «لاعبين لادولتيين» باتوا أكثر قوة وتأثيرا من دولهم.

تظهر الأزمات بين إيران وأمريكا والتوترات بين تركيا وأمريكا وروسيا حدوداً متواضعة للمراكز الدولية في تقرير مصائر المنطقة.

تركيا وإيران مرشحتان لأدوار تملأ فراغ القطبين وتسابق قوى الاستعمار القديمة لاحتلال مساحات تراجعت عنها موسكو وواشنطن.

*     *     *

تشهد المنطقة العربية منذ قرابة العقدين من الزمان، ولادة ظاهرتين متلازمين، العلاقة بينهما سببية إلى حد كبير: الأولى؛ تصاعد دور دول إقليمية كبيرة وغالباً على حساب المراكز الدولية الكبرى ... والثانية؛ تنامي دور لاعبين «لادولتيين» Non-State Actor، على نحو غير مسبوق أبداً.

منذ سقوط الاتحاد السوفياتي وتفكك دول «المنظومة الاشتراكية» مطلع العقد الأخير من القرن الفائت، وتراجع دور القطب الدولي الواحد المهيمن بعد تجربة الفشل الأمريكي في حربي أفغانستان والعراق، وتآكل الاهتمام الأمريكي بالمنطقة:

- بدا أن القوى الدولية الأخرى، أعجز من أن تملأ فراغ قطبي الحرب الباردة ...

- وبدا أن قوى إقليمية كبيرة مثل تركيا وإيران مرشحة لأدوار متزايدة تملأ فراغ القطبين، وتسابق القوى الاستعمارية القديمة (الأوروبية) لاحتلال المساحة الواسعة التي تراجع عنها نفوذ موسكو وواشنطن.

حتى عندما قررت موسكو – بوتين، أن تعود للمنطقة، ومن بوابتها السورية الواسعة في العام 2015، ظل هذا الدور محصوراً في سوريا ومقتصراً عليها تقريباً، حتى أنها لم تنجح في أن تكون لاعباً منفرداً أو مهيمناً، فاكتفت في موقع اللاعب الأبرز والأهم على الساحة السورية.

رأينا مقابل ذلك تمدداً إيرانياً يكاد يغطي مساحة أربع أو خمس دول عربية: اليمن، العراق، سوريا ولبنان وأجزاء من فلسطين.

رأينا دوراً تركياً ممتداً من سوريا إلى ليبيا والصومال وأرجاء مختلفة من القارة الأفريقية وغيرها، وكان يمكن لهذا الدور أن يكون أكثر اتساعاً لو قُدّر لجماعة الإخوان المسلمين التي امتطت صهوة الربيع العربي، وأن تحافظ على بقائها في السلطة بعد أن وصلت إليها لأول مرة منذ تأسيسها قبل تسعة عقود.

سمح الفراغ الدولي في المنطقة، لدول عربية طرفية أن تلعب أدواراً متزايدة على الساحة الإقليمية، سيما بعد أن تم «تحييد» مراكز الثقل العربية التاريخية:

- مصر بعد كامب ديفيد وبالأخص في سياقات الربيع العربي،

- العراق بعد حربي إيران والكويت مروراً بالحصار والعقوبات وانتهاء بسقوط بغداد ودخوله مرحلتي ما بعد صدام حسين، وما بعد داعش.

- سوريا بعد سنوات الحرب العجاف، والتي أعقبت سنوات من العزلة إثر اغتيال الحريري في العام 2005 وبعدها حرب تموز 2006.

بخلاف الوجود الدولي في المنطقة، الذي طالما اعتمد على «القوة المباشرة» أو التحالف مع أنظمة وحكومات وجنرالات وسلالات مدعومة من القوى الاستعمارية القديمة والجديدة، فإن نفوذ الدول الإقليمية، بات يعتمد بشكل خاص على «لاعبين لادولتيين».

وهؤلاء يرتبطون بالمراكز الإقليمية وعواصمها، ويقومون بالأدوار نيابة عنها، بما فيها الانخراط في حروب الوكالة، كما في مختلف الأزمات العربية، من دون أن يعني ذلك «تنزيه» المراكز الدولية عن التورط في لعبة حروب الوكالة وميليشياتها القذرة.

تظهر الأزمة الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، وقبلها التوترات المتلاحقة بين تركيا والولايات المتحدة، وتركيا وروسيا الاتحادية، أن ثمة حدوداً متواضعة للمراكز الدولية في تقرير مصائر المنطقة ومستقبلها، وأن المراكز الإقليمية الناشئة، لم تعد تأتمر بأوامر «قطبي الحرب الباردة»، أو ترتضي بأقل من علاقة «ندّية» مع المراكز الدولية.

وتظهر الأزمة في الخليج، ومن قبلها في شمال سوريا، وكذا في اليمن وليبيا، أن «اللاعبين اللادولاتيين» باتوا أكثر قوة وتأثيرا من دولهم:

- في اليمن، الحوثي أقوى من الشرعية.

- في لبنان، حزب الله أقوى من الدولة والجيش اللبنانيين.

- في ليبيا المليشيات أقوى من الحكومة الشرعية وتكاد تبتلعها.

- في فلسطين، لا أحد يجادل بأن حماس والجهاد أقوى بأضعاف المرات من السلطة، ولولا الاحتلال و"التنسيق الأمني المرذول" لسقطت الضفة في قبضتهما وليس القطاع وحده!

الحرب السورية كانت مسرحاً لأدوار متعاظمة للمليشيات من شتى المذاهب والولاءات فاقت في كثير من الجبهات دور الجيش السوري.

وفي العراق، بات الحشد الشعبي نداً ومنافساً للجيش والقوى الأمنية الأخرى، إن لم نقل أكثر منها عدداً وعدةً وتجهيزاً وجاهزية.

الزمن الذي كانت فيه القوى الدولية العظمى، تُسقط عروشاً وتزرع حكاماً وتقرر مصائر وترسم مسارات، انتهى ... والزمن الذي كانت فيه الدولة هي اللاعب المنفرد و"المحتكر الوحيد للسلاح والإعلام والشرعية" انتهى في كثيرٍ من دولنا على الأقل.

ولهذا كله، تبدو صراعات أزمتنا الراهنة أشد تعقيداً وصعوبة من صراعاتنا القديمة، وحلولها أبعد منالاً وأقل احتمالاً.

* عريب الرنتاوي كاتب صحفي أردني

المصدر | الدستور الأردنية