الأربعاء 3 يوليو 2019 10:07 م

حاول ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" تصوير المملكة العربية السعودية بصورة أكثر إيجابية، والتغطية على السياسات الداخلية والخارجية الأكثر عدوانية في البلاد من خلال إجراء ما يسمى بـ"الإصلاحات الليبرالية". لكن ذلك لم يكن كافيا لإسكات أولئك الذين يواصلون لفت الانتباه إلى انتهاكات حكومته لحقوق الإنسان.

وأدى ارتفاع عدد القتلى من المدنيين الذين لقوا حتفهم جراء القنابل السعودية في اليمن، والقتل المروع للصحفي "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية في إسطنبول، ونهج الرياض العدواني في الأزمة الإيرانية، إلى إعادة النظر في الدعم الثابت للمملكة من قبل حلفائها.

وفي أواخر أبريل/نيسان، دعا أكبر رجل دين سني في ليبيا وهو المفتي الأكبر "صادق الغرياني" جميع المسلمين إلى مقاطعة "الحج"، وهي فريضة إلزامية للمسلمين يذهبوت خلالها إلى مكة. ولقد ذهب إلى حد الإدعاء بأن أي شخص يشرع في رحلة حج ثانية -بخلاف الفريضة- فإنه "يفعل ذنبا وليس عملا صالحا". ويكمن المنطق وراء المقاطعة في أن تعزيز اقتصاد المملكة من خلال الحج يساعدها على المزيد من مشتريات الأسلحة وبالتالي يمكنها من شن المزيد من الهجمات المباشرة على اليمن، أو التدخل بشكل غير مباشر في سوريا وليبيا وتونس والسودان والجزائر. وأضاف "الغرياني" أن الاستثمار في عوائد الحج "يساعد الحكام السعوديين على ارتكاب جرائم ضد إخواننا المسلمين".

ولم يكن "الغرياني" أول عالم مسلم بارز يؤيد فرض حظر على الحج. فقد أعلن "يوسف القرضاوي"، وهو أيضا رجل دين سني ومنتقد صريح للمملكة عن فتوى في شهر أغسطس/آب من العام الماضي يدعو فيها لمقاطعة الحج، قائلا إن "إطعام المسلمين للجوعى ومعالجتهم للمرضى وإيوائهم للمشردين، أفضل عند الله من إنفاق المال على الحج غير المفروض".

النفوذ الديني

ولا يرتبط نفوذ المملكة فقط بقدراتها السياسية والعسكرية، بل يرتبط أيضا بعلاقاتها التاريخية بالإسلام. وباعتبارها موطن كل من مكة والمدينة، أقدس مدينتين في الإسلام، وموقع الكعبة وقبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم. لذا يمتد نفوذ المملكة إلى ما هو أبعد من جيرانها العرب، إلى العالم الإسلامي الأوسع. ويتوافد أكثر من 2.3 ملايين مسلم من جميع الطوائف على مكة خلال موسم الحج السنوي، ويأتي إليها الكثيرون على مدار العام لأداء "العمرة"، مما يجعل زيارة السعودية طموحا للعديد من المسلمين حول العالم.

ودفعت هذه العلاقة مع الإسلام الكثير من أبناء العالم العربي السني إلى الرجوع إلى المملكة لاستلهام منهجهم اليومي حول القضايا الدينية. وردا على الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 والخوف منها في جميع أنحاء المنطقة، أنفقت المملكة ملايين الدولارات على تصدير علامتها التجارية من الإسلام، عبر تمويل المساجد في جميع أنحاء العالم، التي يرتبط الكثير منها بـ"التطرف الإسلامي" في الغرب، كما تزعم المملكة أنها زعيمة العالم الإسلامي.

وعملت المملكة لأعوام عديدة على أن تصبح قوة مهيمنة إقليمية في الشرق الأوسط، من أجل منافسة إيران حول النفوذ. وكواحدة من أكبر الدول المصدرة للنفط في العالم، ومع تمتعها بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، وجدت المملكة نفسها مستندة إلى دعم ثابت من قبل العديد من الدول المجاورة لها على مدى عقود.

وعلى الرغم من الأدلة المتزايدة على دور العائلة المالكة في "الإعدام المتعمد" لـ "خاشقجي"، فقد نفت إدارة "ترامب" على عجل أي إشارة إلى تورط القياجة السعودية في القتل، مع إهمال وزير الخارجية "مايك بومبيو" مؤخرا ذكر الموضوع عند لقائه مع العاهل السعودي "سلمان". وقد يكون البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية على استعداد لغض الطرف، لكن المسلمين أنفسهم لم يكونوا متسامحين.

إدانة عالمية

وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، وفي دول أخرى ذات غالبية مسلمة، كان هناك قلق متزايد بشأن مقتل "خاشقجي"، فضلا عن ارتفاع عدد القتلى في اليمن، الذي من المتوقع أن يصل إلى 230 ألف حالة بحلول عام 2020، وذلك بسبب الغارات الجوية العشوائية التي تشنها السعودية في كثير من الأحيان. وقد قصف التحالف السعودي، بدعم من الولايات المتحدة، المستشفيات والجنازات والحافلات المدرسية للأطفال وحفلات الزفاف، صانعا ما تم وصفها بأنها "أسوأ أزمة إنسانية من صنع الإنسان في عصرنا الحديث". وأدى النهج السعودي الصارم في حرب اليمن إلى عزلة إقليمية محدودة للمملكة؛ حتى أن الحكومة الإماراتية نفسها، التي تعد الشريك الأبرز للمملكة في التحالف، أبدت بعض الانزعاج تجاه النهج السعودي.

وأثارت الفظائع التي ارتكبتها السعودية إدانة عالمية مستمرة، مع دعوات لحظر تجارة الأسلحة مع البلاد. وقام كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ الأمريكيين مؤخرا بالضغط لإلغاء صفقة أسلحة أبرمها الرئيس "دونالد ترامب" مع المملكة، وحظرت ألمانيا توريد الأسلحة للسعودية منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وإضافة إلى هذه القائمة، تحركت سويسرا وإيطاليا أيضا نحو حظر تجارة الأسلحة مع السعودية، وقضت محكمة بريطانية مؤخرا بأن صفقات الأسلحة مع المملكة ربما كانت غير قانونية. وقطع "الغرياني" خطوة إلى الأمام في الدعوة إلى مقاطعة المملكة خلال موسم الحج، الذي تأتي عائداته في المرتبة الثانية خلف النفط.

وعلى عكس المحاولات السابقة لمقاطعة المملكة، لم تكن الدعوات هذه المرة مبنية على الخلاف الطائفي.

وفي عام 2011، قمعت الرياض بعنف الانتفاضة الشعبية في البحرين، بناءً على طلب من الحكومة البحرينية. وقاد الاحتجاجات في المنامة المسلمون الشيعة، الذين يشكلون الأغلبية في البلد الذي يحكمه السنة، ورد النشطاء العراقيون بالدعوة إلى مقاطعة جميع المنتجات السعودية. وتم تنظيم الاحتجاجات في جميع أنحاء العراق، وحضرها رجال الدين والأكاديميون والسياسيون الشيعة على حد سواء. وفي ذلك الوقت، قال رئيس الوزراء العراقي آنذاك "نوري المالكي" إنه إذا استمرت أعمال العنف التي تقودها السعودية، "فقد تجر المنطقة إلى حرب طائفية".

واليوم، تصاعدت الدعوات لمقاطعة المملكة، ولكن ليست من الشيعة فقط هذه المرة. وجمع وسم مقاطعة الحج على "تويتر" ما يقرب من 16 ألف تغريدة. كما دعا رجال الدين السنة في جميع أنحاء العالم إلى المقاطعة. وقال اتحاد الأئمة التونسييند في يونيو/حزيران إن "الأموال التي تذهب إلى السلطات السعودية من الحج لا يتم استخدامها لمساعدة المسلمين الفقراء حول العالم. وبدلا من ذلك، يتم استخدامها لقتل الأشخاص وتشريدهم كما هو الحال في اليمن حاليا". ونظرا لأن الحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة، المفروضة على جميع المسلمين، تشير الدعوة إلى المقاطعة إلى مخاوف حقيقية تجاه السلوك السعودي المضطرب. وإذا استمر هذا الاتجاه، سوف تكون مزاعم المملكة بكونها الموطن الروحي للإسلام وزعيمة المسلمين في خطر، وقد يصاحب الأمر ضربة اقتصادية أيضا.

تسييس الحج

ويعد الحج أمرا حيويا للاقتصاد السعودي، حيث يدر ما قيمته 12 مليار دولار سنويا، أي ما يعادل 20% من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 150 مليار دولار بحلول عام 2022، نظرا لاستثمارات الحكومة السعودية في الفنادق الفاخرة. وتسبب هذا الاستثمار في ارتفاع التكاليف، مما أدى إلى تصعيب الحج على العديد من المسلمين الفقراء.

ولا تعد هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تسييس الحج. فقد منعت المملكة نفسها في الأعوام الأخيرة المواطنين القطريين والإيرانيين من المشاركة، بسبب تنامي الخلافات السياسية مع الدولتين. كما أساء المسؤولون السعوديون إلى حرمة مدينة مكة لتعزيز أيديولوجيتهم السياسية.

وخلال إحدى خطب صلاة الجمعة في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماض، صرح الشيخ "عبدالرحمن السديس"، إمام المسجد الحرام في مكة: "يبدأ طريق الإصلاح والتحديث في هذه الأرض المباركة… تحت عناية الشاب الطموح، ولي العهد الإصلاحي الملهم من الله الذي يقودنا إلى الأمام مسترشدا برؤيته الثاقبة على الرغم من كل الضغوط والتهديدات". ويعني هذا ضمنا أنه لا ينبغي لأي مسلم أن يشكك في النخبة السياسية السعودية.

وفي محاولة لاستعراض قوتها السياسية، وجذب الانتباه بعيدا عن مقتل "خاشقجي"، والدور المستمر للبلاد في الحرب في اليمن، نظمت المملكة ثلاث قمم طارئة في أواخر شهر مايو/أيار في مكة المكرمة، لإعادة التركيز على ملف إيران. وخلال القمم الثلاث لجامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، ومنظمة التعاون الإسلامي، دعا السعوديون إلى توحد الدول العربية للتعامل مع الأزمة الإيرانية، من خلال "استخدام جميع الوسائل لمنع النظام الإيراني من التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، وإيواء الكيانات الإرهابية العالمية والإقليمية، وتهديد المجاري المائية الدولية".

وفي تحدٍ لوضع المملكة العربية السعودية المتراجع كقوة إقليمية، عارض العراق تماما البيان الختامي، الذي كان يشجب إيران، وأرسل بدلا من ذلك رسالة دعم لإيران. وفي القمة التي تم عقدها في مكة صرح الرئيس العراقي "برهم صالح": "يعد أمن واستقرار أي دولة إسلامية مجاورة في صالح الدول الإسلامية والعربية جميعا"، في إشارة إلى إيران. وبالمثل، خلال القمة، فشلت السعودية في جعل منظمة التعاون الإسلامي، وهي منظمة دولية مقرها جدة، تصدر بيانا لعزل وإدانة إيران.

ومع ارتفاع عدد القتلى في اليمن، تدعو دول في جميع أنحاء العالم الآن إلى مقاطعة اقتصادية ودينية وسياسية للمملكة، وليس فقط حظر تجارة الأسلحة. وينفد رصيد الرياض من الأصدقاء في الغرب. والآن، بدأت علاقاتها مع الحلفاء الإقليميين في التصدع. وإذا فشلت إدارة "ترامب" في الحصول على فترة ولاية ثانية، فقد تترك السعودية مع عدد قليل من الأصدقاء الدوليين، ما يضر بمطالبتها بقيادة العالمين العربي والإسلامي.

المصدر | أحمد تويج - فورين بوليسي