السبت 20 يوليو 2019 02:24 م

مع اقتصاد تحت ضغط شديد بالفعل، تواجه تركيا الآن عقوبات أمريكية محتملة بسبب شرائها لصواريخ الدفاع الجوي الروسي وعقوبات من الاتحاد الأوروبي بسبب استمرار استكشاف الطاقة قبالة سواحل قبرص. وبالنسبة لبلد كان يعتقد ذات يوم أن طريقه نحو القوة والازدهار يمر عبر حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، فإن هذا يمثل تحولا جذريا. ويبدو أن قادة البلاد يعتقدون الآن أن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وأوروبا هي أفضل طريقة لتعزيز مصالحهم.

وليس من المفاجئ أن سبب هذا التحول نتيجة اتجاهات طويلة الأجل وتغيرات كبرى في الأحداث في العالم والشرق الأوسط وفي تركيا نفسها. وقد ظلت مشاكل اليوم تتفاقم منذ عقود، لكنها لم تكلل بسقوط دراماتيكي. وإذا نظرنا إلى الوراء في الكيفية التي انهار بها التحالف الأمريكي التركي، يجب أن تكون العملية بمثابة تذكير للجانبين بأن المواجهة بينهما لم تكن حتمية.

مشاعر العداء

طوال الحرب الباردة، شعرت تركيا بالصدمة لكونها الشريك الأصغر لواشنطن، لكنها تحملت ذلك مقابل الحماية من الاتحاد السوفيتي. ونتيجة لذلك، كانت المشاعر المعادية لأمريكا واسعة الانتشار في تركيا عندما وصل الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" وحزبه العدالة والتنمية، الذي كان له شكله الإسلامي الخاص، إلى السلطة في نهاية عام 2002.

ومع ذلك، حاول حزب العدالة والتنمية في البداية تعزيز مكانة تركيا في عالم مستقر يقوده الغرب من خلال استخدام القوة الناعمة لتركيا لقيادة اندماج الشرق الأوسط في هذا العالم. ومن المؤكد أن "أحمد داود أوغلو"، مهندس السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية، كانت لديه وجهة نظر مبالغ فيها حول ما يمكن أن يحققه تأثير تركيا الدبلوماسي والثقافي والاقتصادي. لكن بعض جهوده المميزة، مثل محاولة التوسط في السلام بين (إسرائيل) وسوريا، قد أثبتت نجاحها. ولكن اقتراحه عام 2010 للتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، لم يكن مفيدًا بشكل واضح من وجهة نظر واشنطن آنذاك. ومع ذلك، ظلت تركيا تتبنى رؤية استراتيجية لمنطقة أكثر تماسكًا وسلمية لا تتعارض بشكل أساسي مع واشنطن.

فجأة، وسط الفوضى، رأى "داود أوغلو" و"أردوغان" فرصة لتطبيق ما يمكن أن يُطلق عليه سياسة خارجية "إسلامية" من خلال المساعدة في دعم وصول الفصائل المرتبطة مع جماعة "الإخوان المسلمون" إلى السلطة في جميع أنحاء الشرق الأوسط حتى لو كان ذلك يعني المواجهة المباشرة مع نظام "بشار الأسد" في سوريا ومع إيران. لكن هنا أيضاً، ظلت أهداف تركيا الأيديولوجية متوافقة بما فيه الكفاية مع توقعات واشنطن الليبرالية، والتي لم تكن تمانع في وصول الإسلاميين المعتدلين للسلطة من خلال الانتخابات. وعلى الرغم من أن بعض المحللين كانوا مفرطين في التفاؤل بشأن "النموذج التركي"، إلا أنه يبدو واضحًا بنفس القدر أن دولًا مثل مصر وليبيا وسوريا كانت لتصبح محظوظة لو تحولت إلى "النموذج التركي".

ولكن بدلاً من ذلك، أدى فشل الربيع العربي في النهاية إلى تضخيم الاختلافات الاستراتيجية بين واشنطن وأنقرة ومفاقمة أسوأ شكوك "أردوغان" حول الغرب. وفي الوقت نفسه، بدأت حكومة "أردوغان" تواجه معارضة داخلية مكثفة، وانتقادات غربية، ومقاومة إقليمية، والتي يبدو أنها تضافرت لخلق شعور عميق بالحصار.

في صيف عام 2013، على سبيل المثال، تزامنت الاحتجاجات في الشوارع التي أدت إلى انقلاب عسكري ضد الرئيس "محمد مرسي" و"الإخوان المسلمون" في مصر مع اندلاع الاحتجاجات في حديقة جيزي ضد استبداد "أردوغان" المزعوم في تركيا. وكان دعم وسائل الإعلام الغربية المتحمس لاحتجاجات غيزي كان بمثابة تغيير واضح في لهجتها تجاه تركيا. ولكن من وجهة نظر أنقرة، كان التناقض بين التشجيع الغربي للمتظاهرين في جيزي بارك ورفض واشنطن إدانة الجنرال "عبدالفتاح السيسي"، الذي استولى على السلطة بالقوة دليلا واضحا على "النفاق الديمقراطي للغرب".

لعب الوضع في سوريا خلال العام الذي تلا ذلك دوره المدمر. ومع تنامي قلق واشنطن تدريجياً بشأن الدعم التركي للجماعات المرتبطة بـ"القاعدة"، كانت تركيا بدورها تشعر بالقلق أكثر من أي وقت مضى بشأن قوة الأكراد السوريين المرتبطين بـ"حزب العمال الكردستاني" ورأت أن الجماعات الإسلامية لها ثقل موازن جذاب. ومما زاد الطين بلة، أن احتجاج جيزي بارك تلاه انفصال شعبي درامي بين "أردوغان" و"فتح الله غولن"، الزعيم الديني الذي دعم صعود "أردوغان" إلى السلطة والذي ساعدت حركته على تلميع سمعته في واشنطن. لذا، عندما انقلب على "أردوغان" في نفس الوقت الذي كان فيه الرأي الغربي ضده، سارع الكثيرون في تركيا لرؤية علاقة تآمرية بين الأمرين.

تعميق الانقسام

على مدار الأعوام التالية، عمقت الأحداث هذه الانقسامات الناشئة. وبعد انقلاب مصر، ظلت أنقرة تعارض "السيسي" بشدة، حتى بعد أن قررت السعودية والإمارات العربية المتحدة و(إسرائيل) دعمه. عمقت هذا المواءمة خط الصدع الإقليمي، وسرعان ما وجدت تركيا نفسها تقف ضد تلك البلدان في مجموعة من القضايا، تمتد من ليبيا إلى القرن الأفريقي. وعندما فرضت السعودية والإمارات، بدعم من واشنطن على ما يبدو، حصارًا على قطر في عام 2017، اندفع "أردوغان" إلى دعم الدوحة. وفي شرق البحر الأبيض المتوسط، عزز التعاون بين اليونان وقبرص ومصر و(إسرائيل) إحساس أنقرة أن التطويق بات أقرب إلى الوطن.

في هذه الأثناء في سوريا، عادت الولايات المتحدة إلى عادة قديمة في الرهان على خصوم تركيا من الأكراد. وخلال حربي العراق الأولى والثانية، وجدت واشنطن نفسها تدعم الأكراد العراقيين في محاولتهم للحصول على الحكم الذاتي. وأثار ذلك جنون العظمة لدى العديد من الأتراك بأن واشنطن كانت تدعم بشكل مباشر المتمردين الأكراد في تركيا كوسيلة لتقسيم البلاد. وهكذا، عندما بدأت واشنطن بالفعل في تسليح المنظمة الشريكة لـ"حزب العمال الكردستاني" في سوريا، وحدات حماية الشعب (YPG)، بدا أنها تؤكد أسوأ مخاوف الأتراك عبر الطيف الأيديولوجي في البلاد، لدرجة أنها ساعدت في تعزيز تحالف صعب بين "أردوغان" وفصيل مهم من القوميين في البلاد.

وجاءت محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف عام 2016 لتعزز أسوأ مخاوف تركيا. وخلص "أردوغان" إلى أن أعضاء "غولن" كانوا وراء الانقلاب الفاشل وهذا يعني أن واشنطن كانت كذلك. وزاد فشل واشنطن اللاحق في تسليم "غولن"، الذي يعيش في المنفى في ولاية بنسلفانيا، من الشكوك التركية.

بعد محاولة الانقلاب اتخذت المناقشات الثنائية بين الولايات المتحدة وتركيا نبرة عاطفية بشكل خاص حيث لم تعد تركيا تتفهم قرار واشنطن بالعمل مع "وحدات حماية الشعب" ضد "الدولة الإسلامية" ورفض تسليم "غولن"، وفي المقابل لم تتفهم الولايات المتحدة قرارات تركيا وسياساتها بعد الانقلاب، وخاصة التقارب مع روسيا، وسعيها للحصول على النظام الروسي "إس-400". ومال الأمريكيون إلى تفسير عدد من تحركات "أردوغان" الأكثر استفزازية باعتبارها محاولات للحصول على تنازلات ملموسة. ومن هذا المنظور، كان طلب شراء "إس-400" من روسيا ورقة مساومة للتوصل إلى صفقة أفضل لصواريخ الدفاع الجوي الأمريكية، وكان اعتقال المواطنين الأمريكيين والموظفين القنصليين محاولة للحصول على "غولن".

ومع ذلك، قدمت أنقرة باستمرار هذه التحركات على أنها أكثر استراتيجية، وأنها تهدف لإعادة ضبط شروط علاقاتهم مع الغرب وإجبار واشنطن على إعادة النظر في سياساتها العدائية. واقتناعا منها بأن تركيا مهمة للغاية بالنسبة إلى الغرب لدرجة أنه لا يستطيع التضحية بخسارتها، سعت أنقرة إلى رفع سعر تجاهل المصالح التركية مع توقع أن تتراجع الولايات المتحدة في نهاية المطاف.

وفي عالم أكثر فوضوية وتهديدًا، تضع أنقرة بشكل متزايد ثقتها في القوة الصلبة. في أوائل عام 2018، على سبيل المثال، عندما تحركت واشنطن لتعزيز وحدات حماية الشعب في شمال شرق سوريا، شنت تركيا غزوًا لعفرين التي تسيطر عليها "وحدات حماية الشعب". وأعلن المعلقون الأتراك أن استعراض القوة هذا سيثبت أنه لا يمكن تجاهل تركيا. والآن، تتبع تركيا نفس النهج في مطالبتها بموارد الطاقة في شرق البحر المتوسط، حيث ترسل سفنا حربية لتعطيل بحث قبرص عن الغاز الطبيعي بينما تقوم بعملية بحث خاصة بها. وكما قال "أردوغان": "كما علمنا درسًا للإرهابيين في سوريا، لن نتنازل لقطاع الطرق في البحر".

وتعد المشكلة بالنسبة لصانعي السياسة الغربيين، بما في ذلك الذين يتخذون قرارًا حول مدى جدوى فرض عقوبات على تركيا بشأن "إس-400"، هي أن الرد العدواني المفرط يؤكد اعتقاد تركيا بأن الولايات المتحدة معادية لها، في حين أن الموقف الضعيف يؤكد اعتقادها بأن ردود أفعالها العدوانية كانت ناجحة. بدورها، تواجه تركيا مشكلة أكبر، ففي حين قد تثمر بعض التحركات الاستفزازية في حماية بعض المصالح التركية على المدى القصير، فإنها ستعمق في نهاية المطاف العداء بينها وبين الغرب وستزيد من عزلتها. باختصار، لدى كلا الجانبين كل الأسباب لإيجاد فرصة للتقارب، وكل الأسباب للخوف من أن تنحدر العلاقات إلى هاوية غير مسبوقة.

المصدر | نيك دانفورث - فورين بوليسي