الثلاثاء 13 أغسطس 2019 08:30 م

لا تسويات لمشكلات إقليمية فى الأجل المنظور

عجزت الدولة العظمى فى مواجهة مع فنزويلا الدولة الضعيفة وقليلة الحيلة.

كشمير وفلسطين وهونغ كونغ وربما العراق والسودان لا تزال أهم ثمار (عبقرية) الاستعمار البريطاني!

جهود تصفية قضية فلسطين ستزداد وقد تسلك مسالك أشد وعورة وتكلفة باعتبارها الفرصة الأخيرة للتصفية.

مصير قضية تايوان التصفية لكن لم تنضج كل مكوناته وحتى يحين ذلك ستبقى موضوعا لحرب باردة بين الصين وأمريكا.

إلى متى وفى ظل أى ظروف دولية وإقليمية تستطيع قضية كشمير الاحتفاظ بحصانتها طويلة العمر ضد التسوية؟

نزاعات الشرق الأوسط يشتبك فيها الدين بالخرافة والعنف السياسى وتزييف التاريخ ومع إرث الاستعمار وصراعات السياسة وفسادها.

ستصبح قضايا النزاعات القديمة والجديدة بين الصين ودول بحر الصين الجنوبى قضايا مجمدة تخضع لقواعد قوة الصين المهيمنة الجديدة.

*     *     *

أن يتأجل لسنوات وعقود تسوية قضية أو أزمة أو أن يتوقف السعى نحو تسويتها فهذا ما يمكن فهمه فى إطار كل حالة على حدة.

أما أن تكون كل القضايا والمشكلات الدولية جديدها وقديمها، أو غالبيتها العظمى، مجمدة التسوية أو ممتنعة عن الحل وعصية تتحدى بتعقيداتها إرادة قوى عظمى، أو مستفيدة من غيابها وضعفها..

فهذا ما يثير الانتباه ويطرح أسئلة عديدة تتعلق بالحال الحقيقية لنظام دولى ينسحب وبالحال المتوقعة لمرحلة ولادة نظام دولى جديد، هى فيما أعرف الانسحاب الأبطأ فى تاريخنا المعاصر.

*     *     *

أبدأ من أبعد نقطة فى الغرب. مرت سنوات وأمريكا اللاتينية تراقب باستغراب تطورات الأمور فى شمال شرقى القارة وبخاصة فى الأقاليم الاستوائية. القارة كلها تذكر كيف تدخلت الولايات المتحدة أيام كان هنرى كيسنجر يخطط وينفذ فيسوي قضايا ويخطط وينفذ فيخلق قضايا وأزمات.

تدخلت أمريكا لوقف عملية تحول أيديولوجى فى جنوب القارة فظهر الجنرال أوغستو بينوشيه ليصفى بالقوة نظاما يساريا بعد فشل تجارب الصندوق الانتخابى.

تدخلت فى الحرب ضد متمردى كولومبيا وتدخلت تشجيعا لتيارات الانتقال إلى الديمقراطية. جاءت مرحلة تغيرت فيها القارة الجنوبية وتغيرت الولايات المتحدة.

تغيرت مكانتها الدولية وفقدت عناصر قيادة داخلية واعية، حتى إنها عجزت لسنوات ولا تزال عاجزة عن تسوية مشكلة نظام حكم متمرد فى فنزويلا، عجزت الدولة العظمى فى مواجهة مع فنزويلا، الدولة الضعيفة وقليلة الحيلة.

*     *     *

تجرى منذ سنوات مفاوضات فى قطر بين ممثلين لطالبان وممثلين للولايات المتحدة. أستطيع أن أتفهم بعض مبررات تعثر المفاوضات عبر سنوات عديدة.

أتفهم مثلا ثقة الجانب الطالبانى فى قوته ومستقبل وجوده فى أفغانستان. أتفهم أيضا انحسار ثقة الجانب الأمريكى فى نفسه وكذلك مستقبل وجوده هناك. ولكنى أفهم فى الوقت نفسه قوة الوعي الزائف لدى القوى الحاكمة فى كابول وقدرتها على تعطيل التسوية.

في الوقت نفسه لا أستبعد رأيا يؤكد على قيمة الدور الباكستانى الذى يحبذ استمرار الوجود العسكرى الأمريكي ورأيا آخر يبالغ فى أهمية الدور الهندى.

دخل على خط الاجتهادات المنشغلة بالتسوية المتوقفة من يعتقد أن روسيا من ناحية والصين من ناحية أخرى صار لهما من مصالح وزبائن في أفغانستان ما يحثهما على تعطيل التسوية بعض الوقت حتى تكتمل استعداداتهما لتسلم قواعد النفوذ أو الهيمنة من المهيمن الأمريكى المتعجل الانسحاب.

*     *     *

هناك فى أقصى الشرق عشنا سنوات نعتبر الهند الصينية حيث وجدت فيتنام الشمالية والجنوبية ولاوس وكمبوديا إقليما تجرى فيه حرب ساخنة متفرعة عن حرب باردة أشمل وأعم بين أمريكا والاتحاد السوفيتى.

استطاع هنرى كيسنجر، ضمن خطة أوسع لتسوية تاريخية، الانسحاب من الهند الصينية ومن بحر الصين الجنوبى بمنطق لا غالب ولا مغلوب، واستئناف العلاقات مع الصين، أو بمعنى أدق فتح أبواب العالم أمام الصين.

خرجت أمريكا من حربها الباردة منتصرة بثقة فى نفسها ومكانتها مبالغ فيها. كان معروفا أن الصين قادرة على أن تقترب من وضع ومواصفات الدولة العظمى لكن لن تصل بأى حال فى زمن محسوب إلى مكان القوة المنافسة للولايات المتحدة.

مرت ثلاثة عقود حاولت خلالها الولايات المتحدة أن تحتفظ ببحر الصين الجنوبى قاعدة نفوذ أمريكى. أفلحت لسنوات وفى النهاية لا يختلف كثيرون على أن الإقليم ينتقل سريعا ليصبح منطقة نفوذ صينى بفضل خطوات الصعود الصينية المتسارعة مقابل خطوات انحدار أمريكية أيضا متسارعة.

بمعنى آخر سوف تصبح كل قضايا النزاعات القديمة والجديدة بين الصين وكل الدول المطلة على بحر الصين الجنوبى ومنها إندونيسيا والفلبين قضايا مجمدة تخضع لقواعد القوة المهيمنة الجديدة، أي الصين.

بهذا المعنى لن تسوى فى الأجل المنظور قضية الجزر الاصطناعية والمحتلة فى هذا البحر ولن تسوى قضية الجزيرتين المتنازع عليهما بين اليابان والصين فى بحر صينى آخر!

أما قضية تايوان فمصيرها المحتوم التصفية، وهو المصير الذى لم تنضج بعد جميع مكوناته، وحتى يحين الحين ستبقى موضوعا لحرب باردة بين الصين وأمريكا.

إلى متى وفى ظل أى ظروف دولية وإقليمية تستطيع قضية كشمير الاحتفاظ بحصانتها طويلة العمر ضد التسوية؟

لاحظنا، مثل غيرنا، كيف أن القوى الكبرى وبخاصة المملكة المتحدة ومعها الولايات المتحدة لم تبذلا جهدا يذكر لتحريك أي مشروع للتسوية فى كشمير. نشبت حروب بين الهند وباكستان ووقعت تغيرات وتسويات ولكن لم تمس قضية كشمير.

كشمير مثل فلسطين وهونغ كونغ وربما العراق والسودان كانت ولا تزال مع نماذج غيرها أهم ثمار عبقرية الاستعمار البريطاني، كثيرا ما يقف المرء أمامها منبهرا بكفاءة رجال صنعوا قضايا للمستقبل حلولها غير قابلة لتسويات معقولة.

المتوقع بطبيعة الحال أن تتغلب على هذه المناعة تطورات استثنائية فى هياكل وفلسفة النظام الدولى الذى جرت فى ظله هندسة وغرس جذور هذه النزاعات وتحولات جذرية فى نظم الحكم والهجرة والطبيعة الديموغرافية وإمكانات الدول.

وكلها أمور تتطور متدرجة وفجأة نراها الآن تحدث متسارعة. أول أمس خرج زعيم الهند ناريندا مودى بقرار غير دستورى يحرم به كشمير من حقها فى حكم ذاتي، وما أكثر الاختراقات الدستورية هذه الأيام، ليحبط به نية الرئيس دونالد ترامب التدخل فى القضية عن طريق عرض التوسط بين الهند وباكستان.

*     *     *

لن أكون أول ولا آخر من يعتبر الشرق الأوسط أكثر أقاليم العالم قضايا وأزمات وبعضها إن لم يكن أغلبها عصى على التسوية. هناك القديم جدا قدم التاريخ المدون وهناك الحديث جدا حداثة الخبر الطارئ.

بعض هذه النزاعات يشتبك فيها الدين مع الخرافة والجهل ومع العنف السياسى وتزييف التاريخ ومع إرث الاستعمار وصراعات السياسة وفسادها.

هكذا تخلفت لنا وللبشرية عامة قضية الهيمنة الصهيونية على فلسطين والتدخلات الإسرائيلية فى مصر والأردن وسوريا ولبنان وإيران وتركيا بهدف فرض المشيئة اليهودية على مستقبل الشرق الأوسط.

تخلفت أيضا مأساة الشعب الكردي وكارثة العراق والأزمة السورية ونكبة الصومال وشبكة الحروب الأهلية فى كل من السودان وليبيا.

غالبية هذه النزاعات والقضايا تبدو غير قابلة لكثير من أساليب التفاوض المعروفة مثل أسلوب التنازلات وإن متبادلة وأسلوب المصالحة التاريخية، مما يجعلها بعيدة عن التسوية أو يزيدها تعقيدا.

*     *     *

نظرة هادئة إلى وضع النزاعات الراهنة فى الشرق الأوسط، أى تحت أوضاع دولية وإقليمية غير مألوفة، سمحت لنا بإثارة عدد من الملاحظات.

لاحظنا أولا أن الوجود الروسى فى الإقليم، وبانكشاف النية فى بقائه مطولا، بدأ يؤثر تأثيرا مباشرا وقويا فى سلوكيات الأطراف المتنازعة وفي التحالفات المتكونة حول النزاعات وفى أنماط الإنفاق عليها مثل مشتريات السلاح وتدريب المفاوضين والتعامل بحرص مع المشورات الروسية.

لاحظنا ثانيا رغبات مترددة ولكن عارمة من كلا الجانبين، أطراف النزاعات الشرق أوسطية والجانب الصينى، فى الاندراج فى دوامات الشرق الأوسط. الكل يدرك أن الصين غير بعيدة عن إعلان نظامها الإقليمي الآسيوى بقواعد آسيوية وأساليب عمل آسيوية وتحالفات آسيوية، أو إذا دعا الأمر، أوراسية.

لم تعد الصين مالكة بالثقة الممكنة رفاهة الاستمرار فى سياساتها التوسعية تجاريا وثقافيا دون أن تعرض نفسها وأقلياتها الإيغورية لاختراقات من أنشطة متمردة أو عدوانية فى وسط آسيا أو قادمة من تركيا العثمانية وإيران الثورية.

*     *     *

فى ظل وضع إقليمى عربى تعتذر فيه جامعة الدول العربية عن تنفيذ واجب اقتحام ساحات النزاعات العربية العربية أو العربية شرق الأوسطية، وفى وضع إقليمى شرق أوسطى يخيم عليه ظل هجمة توسعية من جميع دول الجوار المتاخمة لحدود العرب وتتوارى فيه إرادة الحوار الصريح أو حتى الممكن.

وفى ظل اهتمام منحسر من جانب أوروبا والغرب عموما بقضايا الشرق الأوسط ونزاعاته، أستطيع أن أثق فى صحة الرأى القائل بأن الإقليم بلونيه العربى والشرق أوسطى مرشح لمرحلة من النزاعات تختلف جوهريا فى العدد والشكل والصنف والعنف عن كل المراحل السابقة..

أستطيع أيضا تبنى رأى آخر يعتقد أن جهود تصفية قضية فلسطين سوف تزداد، وقد تسلك مسالك أخرى أشد وعورة وتكلفة، باعتبار أن الفرصة للتصفية قد تكون الأخيرة.

* جميل مطر كاتب ومفكر ودبلوماسي مصري مهتم بالشؤون الدولية والعولمة والإصلاح والتحول الديمقراطي.

المصدر | الشروق المصرية