الأربعاء 24 يونيو 2015 08:06 ص

أحد أخطر وأبرز المخاوف بشأن حصول إيران على سلاح نووي هو أنه سوف يفجر سباق تسلح نووي في المنطقة؛ حيث إن امتلاك إيران للسلاح النووي سيدفع العديد من جيرانها إلى المطالبة بحذو حذوها والحصول على ما حصلت عليه لتحقيق التوازن. وكما حذر الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» في عام 2012، أنه إذا حصلت إيران على أسلحة نووية، «فمن المؤكد أن لاعبين آخرين في المنطقة سوف يشعرون أنهم بحاجة ماسة إلى الحصول على أسلحة نووية خاصة بهم».

المملكة العربية السعودية ... هي الدولة التي يسلط الضوء عليها الآن بشدة نظرا لتفكيرها الجاد، إن لم يكن سعيها حاليا، إلى امتلاك سلاح نووي يوقفها على قدم المساواة مع المنافس العنيد لها في منطقة الخليج، إيران. ولم يقدم المسؤولون في المملكة على أي خطوة تذكر لإخماد مثل هذه المخاوف، وبدلا من ذلك خاضوا فيها مرارا. في الشهر الماضي؛ قال الأمير «تركي بن فيصل»، الرئيس السابق للاستخبارات السعودية، في مؤتمر في كوريا الجنوبية: «كل شيء يمتلكه الإيرانيون سوف نمتلكه أيضا».

ومع وجود استثناءات قليلة، يخشى الجميع تقريبا أن المملكة العربية السعودية سوف تحصل على سلاح نووي على الرغم من يقين الجميع أن الرياض لن تبني قنبلة نفسها. بدلا من ذلك، هناك اعتقاد سائد وشبه توافق في الآراء على أن السعودية ستشتري الأسلحة النووية الجاهزة للاستخدام من الصديقة الأسيوية باكستان. وفي الواقع، لقد أعادت الأخبار المتواترة بشراء المملكة أسلحة نووية من باكستان مخاوف الاتفاق النووي السري الذي تم توقيعه في السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي، والذي ذاع صيته خلال العقد والنصف الماضيين.

وكما ناقشت أنا وآخرين منذ فترة طويلة، فإن هذه فكرة بعيدة المنال. وربما ترغب المملكة العربية السعودية بشراء أسلحة نووية من باكستان، إلا أن إسلام أباد ليست في حاجة إلى القيام بذلك لأسباب عدة أبرزها أن باكستان قلقة بالفعل من أن ترسانتها النووية صغيرة للغاية ومحدودة، ويمكنها ألا تصمد إذا تعرضت لهجوم من قبل الهند أو الولايات المتحدة. وفي الوقت ذاته؛ ستتسبب عملية بيع إسلام آباد للرياض أسلحة نووية في رد فعل غير مسبوق من قبل غالبية المجتمع الدولي؛ بما في ذلك الولايات المتحدة والصين. كما أن هذا أيضا سوف يغضب إيران، والتي ربما تبادر إلى الانتقام من باكستان بعدة طرق، إما عن طريق دعم الانفصاليين في منطقة بلوشستان أو التقرب بشكل أكبر إلى الهند؛ الجارة الباكستانية القوية.

وربما تراجعت أي مخاوف من إمكانية بيع باكستان أسلحة نووية للمملكة بشكل كبير في إبريل/نيسان الماضي، عندما رفضت إسلام أباد المشاركة في التحالف الذي تقوده السعودية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن إثر سيطرتهم على صنعاء وإجبار الرئيس «عبده منصور هادي» المدعوم من دول مجلس التعاون الخليجي على الفرار. وإذا كانت باكستان قد رفضت إرسال قوات ولو بشكل رمزي للمشاركة في التحالف، فمن المؤكد أنها لن تعطي الرياض ذاك السلاح الأكثر قيمة.

وقد لا تستطيع الرياض شراء سلاح من باكستان لسبب أو لآخر، لكنها في المقابل قد تتمكن من شرائه من كوريا الشمالية. وهناك عدة أسباب للاعتقاد بأن بيونج يانج ربما تستجيب لمثل هذا الطلب من الرياض غير مترددة لحظة في اقتناص الفرصة.

ولا يخفى على أحد ما لكوريا الشمالية من تاريخ مضطرب من نشر التكنولوجيا النووية، حتى في منطقة الشرق الأوسط. فهناك شائعات ترقى إلى مستوى عالي من الصحة أنها زودت إيران بالتكنولوجيا النووية، وساعدت سوريا على بناء مفاعل نووي دمرته إسرائيل في ضربة جوية عام 2011. علاوة على ذلك؛ فإن كوريا الشمالية لديها سجل طويل في بيع التكنولوجيا العسكرية المتقدمة كالصواريخ البالستية لعدد من الدول التي توصف على الساحة العالمية بالمنبوذة.

وقد تصبح المملكة ممولا قيما جدا لكوريا الشمالية؛ حيث يحاول الرئيس الكوري الحالي تحسين اقتصاد بلاده، خاصة للنخبة لديه من أجل كسب مزيد من الدعم لحكمه. لكن هذه الخطوة واجهت صعوبات كبيرة من قبل الصين منذ أن وصل الرئيس «شي جين بينغ» إلى سدة الحكم في بكين عام 2012.

وتكافح «بيونج يانج» لإيجاد شريك يحل محل الصين في دعم اقتصادها، لكنها لم تكن أبدا محظوظة في ذلك الأمر؛ حيث إن روسيا على ما يبدو تسعى لتحسين علاقاتها مع كوريا الشمالية، لكن تنامي المشكلات الاقتصادية لدى موسكو سيحد من قدرتها على تزويد كوريا الشمالية بما يكفي من مساعدة اقتصادية لتحل محل الصين. وفي المقابل؛ تبدو كوريا الجنوبية راغبة في الحد من علاقاتها الاقتصادية مع جارتها الشمالية، في ظل غياب التنازلات الكبيرة من قبل كوريا الشمالية بشأن برنامجها النووي الذي تمضي فيه على قدم وساق.

وليس هناك احتمالية لأن تواجه السعودية تلك الضغوط التي تواجهها الدول الأخرى، فالمملكة ليست مهددة ككوريا الجنوبية من قبل البرنامج النووي لكوريا الشمالية، وليست كروسيا التي تواجه صعوبات مالية كبيرة.

وتمتلك المملكة العربية السعودية ثالث أكبر احتياطي في العالم من العملات الأجنبية بعد الصين واليابان. وعلى الرغم من أنها تستخدم تلك الأموال للتخفيف من تأثير انخفاض أسعار النفط، إلا أنها مازالت تمتلك احتياطيًا نقديًا يصل إلى 708 مليارات دولار، وهو يكفي ويزيد لتقديم الدعم لكوريا الشمالية.

وبإمكان المملكة العربية السعودية أن توفر لكوريا الشمالية سبل أخرى للدعم، مثل تشغيل عدد أكبر من العمالة الكورية الشمالية على أرضها؛ ليساعدوا بالأموال التي يحصلون عليها في دعم الاقتصاد والاحتياطي النقدي في بلادهم وزيادة معدلات العملة الصعبة التي تحتاجها. وفي الواقع؛ فإن هذا واحد من تكتيكات نظام «كيم» المفضلة للالتفاف على العقوبات الدولية. وكما أوضح معهد أسان للدراسات السياسية: «لا يتم إرسال الأرباح كتحويلات مالية، ولكن يخصص من قبل الدولة وينقل إليها ثانية في شكل كميات كبيرة من النقد، في انتهاك واضح لعقوبات الأمم المتحدة».

وبقدر البعض بأن حوالي 65 ألف من الكوريين الشماليين يعملون في الخارج في 40 دولة مختلفة، وأن هذا العدد تضاعف ثلاثة مرات منذ تولي «كيم جونغ أون» الحكم. ويشير معهد أسان أنه مع ذلك؛ لا تُصنف المملكة العربية السعودية ضمن أفضل عشر دول من حيث العمالة الكورية الشمالية. وتغيير ذلك سوف يكون بمثابة نعمة كبيرة لنظام «كيم».

وأخيرا؛ فإنه بجانب العملة الصعبة تواجه كوريا الشمالية نقصا مزمنا في الطاقة، لذا فإنه بإمكان السعودية أن تحل محل الصين في تزويد كوريا الشمالية بالطاقة، في ظل اعتماد بيونج يانج على بكين في الحصول على 90 % من احتياجاتها من الطاقة خلال السنوات الأخيرة. وقد يقلص النفط والغاز السعودي من اعتماد كوريا الشمالية على الصين في سد احتياجاتها من الطاقة، ومن شأنه كذلك أن يدعم الاقتصاد الكوري.

ويشير جميع ما سبق إلى أن السعودية إذا أرادت أن تشتري أسلحة نووية للرد على إيران، فمن المرجح بشكل أكبر أن تشتريها من كوريا الشمالية وليس من باكستان.