الاثنين 19 أغسطس 2019 01:31 م

في ربيع عام 2011، وبعد موجة الاحتجاجات التي أصبحت تعرف في النهاية باسم "الربيع العربي"، أعرب معلقون من مختلف المشارب والقوميات السياسية عن أملهم في أن تتحرك المنطقة نحو الديمقراطية. ومرت إيران بلحظة مماثلة قبل ذلك بعامين، عندما احتج ملايين المواطنين على ما اعتبروه إعادة انتخاب غير سليمة للرئيس المتشدد "محمود أحمدي نجاد". لكن بحلول عام 2011، كانت طهران قد سحقت هذه الحركة بشكل فعال. نتيجة لذلك، تطلع الكثير من الإيرانيين إلى "الربيع العربي" بعين الغبطة.

وكانت سوريا على وجه الخصوص قد استولت على خيالهم. وتحت حكم عائلة "الأسد"، كانت سوريا حليفة حاسمة للجمهورية الإسلامية، والشريك العربي الحقيقي الوحيد للبلاد. لهذا السبب، رحب العديد من الإيرانيين -المعارضين لحكومتهم- بالاحتجاجات المناهضة لـ "الأسد"، التي اندلعت في أوائل عام 2011، ورحبوا باحتمال سقوط نظامه. على النقيض من ذلك، راقب المسؤولون في طهران الوضع في سوريا بقلق عميق. وخوفا من انهيار النظام الصديق في دمشق، خصصوا موارد كبيرة لدعم "الأسد"، وقاموا بتعميق تورط إيران داخل سوريا مع تحول الانتفاضة إلى حرب أهلية شرسة.

وحتى الآن، أنفقت طهران ما يقدر بنحو 15 مليار دولار لدعم "الأسد"، حتى في الوقت الذي انهار فيه الاقتصاد الإيراني تحت العقوبات. بالإضافة إلى ذلك، يُعتقد أن الجمهورية الإسلامية قد أرسلت نحو 10 آلاف عنصر، أغلبهم من المقاتلين، إلى سوريا بين عامي 2011 و2014. ويغفل هذا العدد القوات غير الإيرانية المدعومة من طهران، التي قدرتها صحيفة "وول ستريت جورنال" بنحو 130 ألفا في عام 2014. ووفق الاعترافات الخاصة، فقد لقي ما لا يقل عن 2100 إيراني حتفهم في الصراع بحلول عام 2017، بما في ذلك عدد من القادة العسكريين رفيعي المستوى. واليوم، حتى مع انتهاء الحرب، تستمر أكياس الجثث الإيرانية في العودة إلى الديار.

وكان تدخل إيران المكلف حاسما لبقاء "الأسد". كما أثر بعمق على إيران نفسها؛ فلقد أدت تجربة القتال في سوريا إلى تغيير طريقة الحرب الإيرانية، وتغيير التكتيكات الإيرانية، وإجبار الجيش في البلاد على اكتساب قدرات جديدة، لا سيما فيما يتعلق بالتعاون مع الجيوش الأجنبية وتدريب القوات الوكيلة من غير الإيرانيين.

ولن تقتصر آثار هذه التغييرات على سوريا. فمع تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، ستبدأ الولايات المتحدة وشركاؤها في الشعور بآثار التحول العسكري الإيراني. وللتعرف على طريقة اللعب التي قد تتبعها طهران في أي صراع مستقبلي مع الولايات المتحدة، ينبغي على واشنطن أن تولي اهتماما وثيقا لما تعلمه الإيرانيون في سوريا.

الطريق إلى التدخل

ومنذ بداية القرن العشرين، نادرا ما كانت إيران تنشر قوات خارج حدودها. وفي منتصف السبعينيات، أرسل الشاه "محمد رضا" عدة آلاف من الجنود والمستشارين إلى سلطنة عمان لمساعدة السلطان "قابوس بن سعيد" على سحق تمرد اندلع هناك. وفي وقت لاحق، في ظل الجمهورية الإسلامية التي تم تأسيسها حديثا، خاضت إيران حربا استمرت 8 أعوام ضد العراق برئاسة "صدام حسين" راح ضحيتها مئات الآلاف من الجنود الإيرانيين، ولكن لم يستطع أي من الطرفين إعلان النصر بشكل مقنع. وفي أعقاب الحرب بين إيران والعراق، التي انتهت عام 1988، حددت طهران نطاق تدخلاتها الأجنبية في إطار المساعدة والمشورة. وكانت البلاد تفتقر إلى قدرات عسكرية تقليدية كبيرة، وسعت إلى امتلاك قدرة معقولة على الإنكار حال اضطرت للتدخل عسكريا خارج حدودها.

وفي بعض الأحيان، شنت إيران غارات جوية ضد الجهات الفاعلة غير الحكومية خارج حدودها. وطوال التسعينيات، على سبيل المثال، استهدفت البلاد الأكراد الانفصاليين و"مجاهدي خلق"، وهي جماعة معارضة تصنفها القيادة الإيرانية كمنظمة إرهابية. وبخلاف ذلك، انخرطت إيران بشكل أساسي في بلدان أجنبية من خلال تدريب وتجهيز وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع قوات وكيلة، وبالأخص مقاتلي "حزب الله" في لبنان.

وعندما بدأت الاضطرابات في سوريا في ربيع عام 2011، اتبعت طهران قواعد اللعبة المعتادة حيث زودت البلاد بالتكنولوجيا والمعدات والأسلحة، بالإضافة إلى المستشارين الذين يمكن الاستفادة من تجربتهم في سحق المتظاهرين المناهضين للنظام في الداخل. لكن عندما انزلقت سوريا إلى حرب أهلية شاملة، تحولت ما كانت تأمل طهران في أن تكون مهمة سريعة ومنخفضة التكلفة نسبيا لتحقيق الاستقرار للحكومة السورية إلى مستنقع أجبر القادة الإيرانيين والمخططين العسكريين على التكيف على الوضع الجديد إذا أرادوا منع وصول نظام عدائي في سوريا كبديل عن "الأسد".

وفي عام 2013، عندما اكتسبت قوى المعارضة زخما، ودعت القوى الغربية "الأسد" إلى التنحي، أطلق الديكتاتور أسلحة كيميائية على شعبه، وارتكب الفظائع لتعزيز قبضته على السلطة. وفي أعقاب هذه الهجمات، بدأت طهران بنشر قواتها القتالية الخاصة في سوريا كجزء من نهج أكثر انفتاحا وحزما. وبالإضافة إلى قوات الحرس الثوري الإسلامي شبه العسكرية التي ترسلها طهران عادة للقيام بمهامها السرية نشرت البلاد أفرادا من قواتها العسكرية التقليدية بالإضافة إلى ميليشيات المتطوعين المعروفة باسم "الباسيج". وفي الوقت نفسه، قام عدد من شركاء إيران التقليديين من غير الدول، وخاصة "حزب الله" وبعض الميليشيات الشيعية العراقية، بإرسال قوات إلى سوريا.

ولزيادة أعداد هذه القوات، جندت طهران ونشرت ميليشيات جديدة مؤلفة من شيعة باكستانيين وأفغان، مع وعد بعضهم بالتعويضات المادية والإقامة في إيران مقابل انضمامهم إلى القتال. وقيل أيضا إن إيران أجبرت اللاجئين الأفغان الذين يعيشون داخل حدودها للانضمام إلى هذه المجموعات الجديدة. وغالبا ما زار قادة الحرس الثوري الميليشيات على الخطوط الأمامية السورية، مما ساعد على ضمان وجود قنوات اتصال مباشرة مع المقاتلين والسيطرة عليهم أثناء قتالهم لدعم حكومة "الأسد".

وبنفس القدر من الأهمية، توقفت طهران عن محاولة إخفاء تدخلها في سوريا. وبعد أن أنكرت في البداية عملياتها السرية هناك -كما تفعل عادة- بدأت طهران في الإعلان عن دورها في الصراع. وبحلول عام 2016، كانت منصات وسائل التواصل الاجتماعية التابعة للحرس الثوري الإيراني ومنافذ الأخبار الحكومية تبث مقاطع فيديو لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني "قاسم سليماني" في زيارات إلى جبهات القتال يصافح المقاتلين الأجانب ويحتضنهم. وعندما ضربت فيضانات هائلة عدة مناطق في إيران في ربيع عام 2019، تم جلب المقاتلين الأجانب من سوريا للمساعدة في جهود الإغاثة من الفيضانات، وهي أعمال تم نشرها أيضا من قبل منافذ الحرس الثوري الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي.

ولم تنسق القوات الإيرانية ووكلائها مع نظام "الأسد" فحسب، بل وأيضا مع الحكومة الروسية، التي بدأت في توفير الدعم الجوي للجهد السوري والإيراني في عام 2015. وقد مثل هذا تطورا مهما آخر. فقد كان لطهران وموسكو  تاريخ من التوتر والاحتكاكات وكانت العلاقة الجديدة بينهما مبنية على مصالح مشتركة يغلفها تاريخ من التوتر وعدم الثقة. ولم تمح الحرب في سوريا الشك المتبادل، لكنها قدمت مثالا رائعا لما يمكن أن يحققه التعاون عندما تتماشى المصالح الإيرانية والروسية معا. وكان الدعم الجوي الروسي، المنسق بشكل وثيق مع الحرس الثوري الإيراني وشبكته من الوكلاء، حاسما في نجاح العمليات الإيرانية والإبقاء على "الأسد" في السلطة.

تأثير سوريا

وكانت الحرب في سوريا المرة الأولى التي تعرضت فيها القوات الإيرانية لقتال حقيقي خارج حدود إيران منذ الحرب العراقية الإيرانية. وكان لهذه التجربة تأثير عميق على التفكير العسكري الإيراني، مما أجبر طهران على تحديث عقائدها وإجراءاتها العسكرية، وزيادة تماسكها، وتعزيز قدرتها على القيام بعمليات مشتركة مع الجيوش الأجنبية. وقد يكون لتطور النهج الإيراني في الحرب عواقب حقيقية على الولايات المتحدة وقواتها المسلحة. وسواء بشكل مباشر أو من خلال وكلاء، من المرجح أن يواصل البلدان الصدام في المستقبل المنظور. وتعمل القوات الإيرانية والقوات المدعومة من إيران الآن على مقربة من الجيش الأمريكي وشركائه في أفغانستان والعراق وسوريا والخليج العربي.

ولا تزال القدرات التقليدية لإيران لا تضاهي قدرات الولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك، لا تزال الجمهورية الإسلامية لا تملك أسلحة نووية. وبدلا من ذلك، فإن أكبر تهديد تواجهه الولايات المتحدة من إيران يكمن في قدراتها الحربية المختلطة، التي شحذتها طهران على مدى العقود الـ4 الماضية وظهر "تكاملها" في سوريا. وتتمتع الجمهورية الإسلامية الآن بقدرات "تجنيد" جديدة، وشبكة موسعة من الوكلاء، وجهاز إعلامي ضخم، وقدرة حادة على التنسيق مع الحلفاء المسلحين تقليديا مثل روسيا.

وفي إشارة محتملة إلى تعميق العلاقات مع روسيا، وقع البلدان اتفاقية تعاون عسكري في وقت سابق من هذا الشهر. ولم يتم الإعلان عن التفاصيل، لكن يبدو أن الاتفاقية تنطوي على عنصر بحري مهم. ومع سعي الولايات المتحدة لمواجهة النشاط الإيراني المتزايد في الخليج العربي ومضيق هرمز، في ظل تصاعد التوترات، سيكون من الجيد النظر في ما تعلمته طهران في سوريا. فلقد غير دعم "الأسد" طريقة الحرب الإيرانية، رغم أنه ليس من الواضح إذا كان أي شخص في واشنطن قد لاحظ ذلك.

المصدر | أريان طبطبائي - فورين أفيرز