السبت 24 أغسطس 2019 04:45 م
  • تناقض إن لم تحله أوروبا عليها انتظار الأسوأ.
  • نزعات شوفينية شعبوية معادية للمهاجرين وتطالب بإعادتهم من حيث أتوا.
  • استقطبت ميركل أكثر من ثلث المهاجرين إلى سوق العمل وحولتهم إلى دافعي ضرائب.
  • خطاب صاعد ترفع لواءه أحزاب وقوى يمينية متطرفة لا تخفي نزعاتها الفاشية يحرض على القادمين الجدد.

*     *     *

يقال عن أوروبا إنها القارة العجوز. لم تطلق هذه الصفة عليها مذمة وإنما مديح. ومن وصفوها بذلك أرادوا التباهي بعراقة القارة - مهد حضارات عظيمة «سادت ثم بادت» - حسب تعبير بليغ جعلت مجلة «العربي» الكويتية منه عنواناً لباب ثابت في أعدادها.

في أوروبا نشأت حضارات روما والإغريق، وبيزنطة، ومن على أرضها نشأت إمبراطوريات غطى نفوذها بقاع الأرض.

ثمة من قال أيضاً إنها وصفت بالعجوز لأنها الأقدم من الناحية الجيولوجية، ولأنها جزء من العالم القديم الذي يشمل، إضافة إليها، إفريقيا، وآسيا.

لكن لسبب آخر، يمكن أن نعدّه ثالثا، يتعين القول إن أوروبا هي قارة العجائز. فمتوسط أعمار السكان فيها هو الأعلى في العالم، بسبب تطور مستوى المعيشة، وتقدّم الرعاية الصحية، وأسباب الرفاهية المختلفة.

فالقارة التي سرقت ثروات الشعوب في القارات الأخرى التي استعمرتها، وأخضعتها قسراً لنفوذها، وما زالت تفعل ذلك على كل حال، وإن بدا الأمر مخملياً بالقياس لما كان عليه، أصبحت في وضع يمكنها من تأمين ذلك لأبنائها.

«قارة العجائز» هذه أمام تحدٍ ماثل اليوم، دفع بعض غلاة المتشائمين إلى القول إن سكان القارة عرضة للانقراض بسبب إحجامهم عن الإنجاب، وإن فعلوا ففي أضيق النطاقات، لدرجة حملت إحدى دول القارة، هي المجر، على منح مبلغ يعادل 32000 يورو للعائلات التي تتعهد بإنجاب ثلاثة أطفال.

التناقص المستمر لأعداد الشباب، والتزايد المستمر في أعداد الشيوخ المتقاعدين يخلق نقصاً كبيراً في الأيدي العاملة المدربة في سوق العمل، يجري التعويض عنه جزئياً باستقطاب المهاجرين، وكان يمكن لهذا الأمر أن يكون مخرجاً ملائماً بالفعل.

فعجلة الاقتصاد لن تدور من دون أيدٍ عاملة. لكن «قارة العجائز» تواجه، إزاء ذلك، تحدياً لا يقل خطورة يتمثل في تصاعد النزعات الشوفينية الشعبوية المعادية للمهاجرين، والمطالبة بإعادتهم من حيث أتوا.

ثمة خطاب صاعد ترفع لواءه الأحزاب والقوي اليمينية المتطرفة التي لا تخفي نزعاتها الفاشية، يحرض على القادمين الجدد، ويحذر من المخاطر على التركيبة الديمغرافية، وعلى الهوية الثقافية واللغوية والدينية لبلدان القارة بسببهم.

يلقى هذا الخطاب قبولاً لافتاً لدى قطاعات ليست قليلة من السكان، كما تدل نتائج الانتخابات.

المستشارة الألمانية ميركل التي توشك على مغادرة المشهد السياسي استطاعت أن تستقطب أكثر من ثلث المهاجرين إلى سوق العمل، وتحولهم إلى دافعي ضرائب، لكنها، بالمقابل، دفعت الثمن السياسي بصعود حزب البديل اليميني المتطرف.

إنه التناقض الذي إن لم تحله أوروبا عليها انتظار الأسوأ.

  • د. حسن مدن - كاتب صحفي من البحرين
المصدر | الخليج – الشارقة