الثلاثاء 27 أغسطس 2019 04:51 ص

"بيتنا يحترق"

الاستهتار بالبيئة يزداد معه النزوع نحو التوحش الرأسمالي في العلاقة مع كل شيء.

ترامب نموذج لظاهرة تعبر عن نظرة الشرائح الأكثر جشعاً في الرأسمالية صاحبة السياسات «النيوليبرالية».

الحاكم الفعلي للسياسات المتبعة جني أكبر أرباح بصرف النظر عن الأثمان الباهظة ولو على حساب الفئات الأفقر.

*     *     *

العنوان أعلاه مأخوذ من تغريدة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول الحرائق المندلعة في غابات الأمازون في البرازيل. وفي التغريدة وصف ماكرون الأمازون بأنها رئة أوروبا ومصدر 20% من الأكسجين، داعيًا أعضاء مجموعة الدول السبع المنعقدة بباريس للحديث بشأن هذه المسألة الملحة.

لا يمكن القول إن موضوع حماية البيئة بين الموضوعات المسكوت عنها. مرّت عقود منذ أن تحول المدافعون عن البيئة إلى قوة وازنة في العديد من بلدان أوروبا والعالم، على هيئة أحزاب سياسية ولوبيات مؤثرة لها دورها في ترجيح نتائج الانتخابات في غير بلد.

ومع ذلك، لم يسبق أن بلغ الاستهتار بالبيئة ما يبلغه اليوم، حيث يزداد النزوع نحو التوحش الرأسمالي في العلاقة مع كل شيء. الحاكم الفعلي للسياسات المتبعة اليوم هو جني أكبر ما يمكن من أرباح، بصرف النظر عن الأثمان الباهظة جراء ذلك!

ولو كان على حساب الفئات الأشد فقراً على وجه الأرض، وهو أمر لا تسلم منه حتى الفئات المصنفة في خانة الطبقات الوسطى أو على حساب البيئة بطريقة قد تجعل الحياة متعذرة على الكوكب بعد حين لن يطول إن استمرّ الحال على ما هو عليه.

من أول القرارات التي اتخذها دونالد ترامب بعيد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة كان الانسحاب من اتفاق المناخ، وهو قرار أثار استياءً واسعاً في عدد من دول العالم، بما في ذلك داخل أمريكا نفسها حيث اعتبر ما أقدم عليه ترامب خطأ تاريخياً سيترك العمال والأسر الأمريكية في الخلف.

ترامب ليس سوى مثل نموذجي لظاهرة أشمل وأوسع، تعبر عن نظرة الشرائح الأكثر جشعاً في الرأسمالية صاحبة السياسات التي توصف بـ «النيوليبرالية»، التي تزدري موضوع حماية البيئة وترى فيه محض موضوع شعبوي مفتعل.

ويتبنى هذا الرأي ساسة آخرون في الغرب وخارجه، ومن هؤلاء جايير بولسونارو رئيس البرازيل نفسها التي تجتاح غاباتها الحرائق اليوم، وهي الغابات التي يقيم فيها سكان البلد الأصليون، الذين يفجعهم دمار البيئة التي ألفوا العيش والعمل فيها.

صعد بولسونارو إلى السلطة على موجة من التحشيد الشعبوي المزدري لالتزامات الدولة الرئيسية تجاه الطبقات الأفقر وتجاه البيئة أيضاً، ومثل ترامب وعد بتحقيق نهوض اقتصادي سريع إذا تمّ تجاوز تلك الالتزامات التي هي، وفق زعمه، مجرد شعارات لا تغني ولا تسمن.

معارضو الرئيس البرازيلي وبينهم نشطاء البيئة يجزمون بأن خطاباته المناهضة للبيئة، وتشجيعه المزارعين على قطع الأشجار وإزالة الغابات مسؤولة بدرجة كبيرة عن الحرائق المندلعة اليوم، بسبب الإخلال بضوابط التوازن البيئي.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج – الشارقة