لمن الغلبة في لندن؟

«النسخة البريطانية» للترامبية تتحدى الجميع بمن فيهم قادة وقاعدة حزب رئيس الحكومة.

قرار جونسون امتحان خطير لقدرة الديمقراطية البرلمانية الأوروبية على الصمود بوجه الموجة الشعبوية.

لماذا يريد جونسون منع النواب من مناقشة الخروج من الاتحاد الأوروبي ومن أداء دورهم في رسم مستقبل البلاد.

*     *     *

فعل رئيس وزراء بريطانيا الجديد بوريس جونسون، ما لم يفعله أي من أسلافه من رؤساء الحكومات المتعاقبين، حين وجّه ضربة غير مسبوقة للمستقر من التقاليد الديمقراطية، في إحدى أعرق البلدان فصلاً بين السلطات، وإعلاءً لكلمة ودور السلطة التشريعية، حين حمل الملكة على توقيع طلبه تعليق أعمال البرلمان لخمسة أسابيع.

القرار جُوبِه باحتجاجات شعبية واسعة عمّت كبريات المدن البريطانية، وجرى جمع نحو مليون ونصف المليون توقيع على عريضة تطالب بإلغاء القرار، مما يؤهلها للمناقشة أمام البرلمان.

رغم ذلك، ليس واضحاً كيف سيحسم السجال الحامي الدائر الآن بين البرلمان وجونسون؛ ولمن سترجح الكفة في نهاية المطاف، خاصة وأن جونسون استند في قراره هذا إلى نص دستوري يمنح رئيس الحكومة الحق في تعليق جلسات البرلمان لفترة محددة، إذا ما وجد ضرورة لذلك.

لكن هذا يتطلب نشوء ظرف استثنائي للغاية، يمكن لأعضاء البرلمان وللرأي العام تفهّمه، ومثل هذا الشرط غير قائم في الظرف الذي اتخذ فيه جونسون قراره، رغبة منه في تمرير تصوره للخروج من الاتحاد الأوروبي بعيداً عن رقابة وموافقة البرلمان، خاصة لجهة الخروج دون التوصل إلى اتفاق في نهاية أكتوبر المقبل.

لم تعتد الديمقراطية البريطانية على مثل هذا التحدي، فنحن إزاء «النسخة البريطانية» للترامبية التي يطيب لها أن تتحدى الجميع دون استثناء، بمن فيهم قادة وقاعدة الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة.

وكما في حال دونالد ترامب يحقق هذا النوع من «التحدي» إشباعاً لغرور جونسون الذي يعتقد أنه قادر على فعل ما لم يفعله من سبقوه، وأن يضع الجميع أمام أمر واقع لا مناص لهم من التسليم به، حتى لو كانوا معارضين أشدّاء له.

فرئيس مجلس العموم البريطاني، جون بيركو، على سبيل المثال، وصف القرار بـ«انتهاك للقيم الدستورية». مؤكداً أن الغرض منه هو «منع النواب من مناقشة عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي ومن أداء دورهم في رسم مستقبل البلاد».

وشاطره في الرأي رئيس حزب العمال المعارض، جيرمي كوربين، الذي وصف ما يجري بمحاولة من رئيس وزراء منتخب، من قبل عدد قليل جداً من أعضاء حزب المحافظين، لـ«تجنب الرقابة على خططه الرعناء».

لقرار جونسون أبعاد كبرى تتخطى الجغرافية البريطانية. إنه امتحان خطير لقدرة الديمقراطية البرلمانية الأوروبية على صون تراثها بوجه الموجة الشعبوية العارمة، التي يركب أمواجها قادة من «طراز جديد»، أبعد ما يكونون عن الحكمة والتدبّر المسؤول للأمور.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين.

المصدر | الخليج - الشارقة