الجمعة 20 سبتمبر 2019 08:32 ص

ترامب نتاج شعبوية أمريكية راسخة

اعتمد الخطاب الشعبوى الأمريكى على معارضة نفوذ النخب السياسية والاقتصادية والثقافية المتزايد.

خطابات ترامب العنصرية والفاشية المتطرفة ضد ما هو غير مسيحى أبيض كانت السبب الأهم فى فوزه الكبير!

أظهرت سياسات ترامب التزاما بشعبوية يمينية جديدة المظهر راسخة بطبيعتها في الشأن الداخلي أو الخارجي.

هاجم ترامب المؤسسات والنخب التقليدية من الحزبين بخطاب شعبوي يعادي المهاجرين والتجارة الحرة.

يرفض المتعصبون البيض البروتستانت واقع أمريكا الجديد ويرونه تهديدا وجوديا لهم ولأمريكا التى فى مخيلتهم الجمعية.

*     *     *

عرفت الولايات المتحدة تيارات شعبوية منذ تأسيسها فى نهايات القرن الثامن عشر. وبدأت هذه التيارات فى الظهور بصور منظمة فى صورة حركة يمينية ضد الماسونية فى بدايات القرن التاسع عشر، ثم ظهر «الحزب الشعبوى» عام 1890 وكان حزبا ذا أجندة يسارية اشتراكية.

منذ البداية جاء الخطاب الشعبوى الأمريكى معتمدا على معارضة النفوذ المتزايد للنخبة السياسية والاقتصادية والثقافية، وشكلت تلك المعارضة بصورة كبيرة خطاب القوى المحافظة وجماعات اليمين المتطرف منذ عشرينيات القرن العشرين.

ومثلت سياسات الرئيس فرانكلين روزفلت ضد الشركات الكبرى ونخبة رأس المال والتى جاءت فى إطار حركة الإصلاح والمراجعة للتعامل مع تبعات أزمة الكساد العظيم في 1929، دافعا قويا كرد فعل على صعود ما اعتبره البعض شعبوية اليسار الذى تمثَّل فى انتشار الاتحادات العمالية على نطاق واسع.

وعرفت السياسة الأمريكية بزوغ نجوم محافظين متشددين شعبويين يمينيين من أبرزهم السيناتور جوزيف مكارثى عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ويسكونسن (1947ــ1957).

وحاكم ولاية ألاباما جورج والاس خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضى، والمترشح الرئاسى الجمهورى السابق بات بيوكانان خلال تسعينيات القرن الماضى.

*     *     *

ظهرت خلال انتخابات الكونغرس النصفية عام 2010 جماعة «حزب الشاى» التى اعتمدت على خطاب شعبوى يمينى، وأصبحت بوتقة تجتمع حولها القوى المتشددة والمحافظة من الحزب الجمهورى.

وارتبط بجماعة حزب الشاى بعض أعضاء مجلس الشيوخ مثل السيناتور تيد كروز والسيناتور رون بول، وكلاهما ترشح للرئاسة عام 2016. كذلك شكل 33 عضوا بمجلس النواب أنفسهم فى تجمع الحرية Freedom Caucus ليعبر عن سياسات جماعة حزب الشاى اليمينية، وتصف الجماعة نفسها كجماعة يمينية شعبوية.

وجاء ترامب مستندا على عدائه وهجومه على المؤسسات والنخبة التقليدية من الحزبين الجمهورى والديمقراطى، ومتبنيا خطابا شعبويا معاديا للمهاجرين ومعاديا لاتفاقيات التجارة الحرة.

وعلاقة ترامب بهذه الحركة الشعوبية ليست وليدة انتخابات 2016، ففى مقابلة له مع قناة فوكس الإخبارية عام 2011 أبدى إعجابه بجماعة حزب الشاى، وقال «أعتقد أن مناصرى جماعة حزب الشاى يحبون بلدهم، وأنا أعكس وأؤيد الكثير مما تتبناه الحركة».

*     *     *

يضم الحزب الجمهورى منذ ستينيات القرن الماضى تيارات فكرية متنوعة، تبلورت بوضوح مع إقرار قوانين الحقوق المدنية التى منحت حقوقا مساوية للسود.

وعلى رأس تلك التيارات يأتى المحافظون الاقتصاديون (فيما يتعلق بالضرائب وقطاع الأعمال) والمحافظون الاجتماعيون (ممن يؤيدون وبشدة شكل العائلة التقليدى ويعادون الإجهاض) والمحافظون الجدد (ممن يدفعون لاستخدام القوة والحروب الخارجية)، وضم كذلك المعارضين لدور متضخم للحكومة الفيدرالية.

تاريخيا تبنى الحزب الجمهورى أفكارا وقيما تقليدية محافظة سواء الاجتماعى منها أو ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية، فى الوقت الذى تبنى فيه سياسة خارجية تدعم التدخل الأمريكى فى الشئون العالمية ولا تمانع من استخدام القوة والسلاح لخدمة المصالح الأمريكية.

وحافظ الجمهوريون الوسطيون المرتبطون بالمؤسسات الأمريكية على بوصلة الحزب التى رأسها خبراء كثيرون كيمين للوسط منذ ستينيات القرن الماضى وحتى بدء حكم باراك أوباما فى 2008، ونجحوا فى احتواء الأصوات اليمينية ودفعها للهامش.

*     *     *

مثل العام 2008 نقطة تحول هيكلية فى تركيبة الحزب الجمهورى، فقد خرجت إرهاصات التيار اليمينى عمليا وبقوة وتشكلت منذ عام 2008 الذى شهد حدثين تاريخيين، ساهما فى ضخ دماء جديدة فكرية وتنظيمية وهو ما سهل من وصول التيار الشعبوى والذى نجح ترامب فى امتطاء قيادته.

ففى هذا العام، وقعت الأزمة المالية العالمية التى بدأت بسوق العقارات الأمريكية، وأثر ذلك على ملايين المواطنين ممن فقدوا وظائفهم أو بيوتهم، أو الاثنين معا.

وظهرت مرارة كبيرة من سياسات العولمة والتجارة الحرة والميكنة والاقتصاد الرقمى، كما ساهم الصعود الاقتصادى للصين فى مضاعفة مخاوف فئة عمال المصانع وعمال المناجم على مستقبلهم الوظيفى.

وارتبط العام 2008 كذلك بوصول أول رئيس أسود، باراك أوباما، إلى البيت الأبيض، ومثل ذلك تذكيرا للأغلبية البيضاء، خصوصا الرجال منهم، أن التهديدات النظرية بفقدان سيطرتهم التاريخية على الحياة السياسة الأمريكية قد بدأت بالفعل.

وكان رد الفعل متمثلا فى الوقوع فى حضن حركة حزب الشاى المحافظة والمتطرفة حتى بمعايير الحزب الجمهورى. هاجم حزب الشاى أوباما، وتبنى سياسات وخطابا يؤجج العنصرية والتعصب والإسلاموفوبيا.

ومثل صعود ترامب كذلك غضبا واضحا لما شهدته أمريكا من تغيرات اجتماعية وديمغرافية فى النصف قرن الأخير تمثل فى هجرة الملايين من الكاثوليك من دول أمريكا الوسطى والجنوبية، وهجرة ملايين أخرى غير مسيحية من دول آسيوية على رأسها الصين والهند.

ويرفض الكثير من المتعصبين البيض البروتستانت الاعتراف بواقع أمريكا الجديد، ويرون فى التغيرات تلك تهديدا وجوديا لهم ولأمريكا التى فى مخيلتهم الجمعية.

ولم تكفِ خطابات ترامب العنصرية والفاشية المتطرفة ضد كل ما هو غير مسيحى أبيض، كى لا يثنى الجمهوريين عن اختياره لتمثيلهم، بل يبدو أنها كانت السبب المباشر والأهم فى فوزه الكبير، واكتساحه كرمز ممثلا للملايين من الغاضبين على اتجاه أمريكا السريع نحو مزيد من التنوع العرقى والدينى واللغوى.

*     *     *

تبنى ترامب خطابا سياسيا ديماغوجيا يهز عواطف المواطنين من أجل كسب ولائهم. ولا يُدعم الخطاب الشعبوى الترامبى متلقيه بمعلومات دقيقة، أو بيانات صحيحة يمكن التحقق من مصداقيتها، إذ إنها تتجاهل عقل المواطن، وتتجه إلى عواطفه بصورة مباشرة.

وقد أظهرت السياسات التى اتبعها ترامب حتى الآن التزاما جادا بشعبوية يمينية أمريكية جديدة فى مظهرها راسخة فى طبيعتها سواء تعلق الأمر بالشأن الداخلى أو السياسة الخارجية.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن

المصدر | الشروق المصرية