الأربعاء 25 سبتمبر 2019 02:02 م

لا يعرف الكثيرون عن المظاهرات التي اندلعت في المدن المصرية منذ يوم الجمعة 20 سبتمبر/أيلول سوى أنها عفوية ويطالب المتظاهرون فيها برحيل الرئيس "عبدالفتاح السيسي" ونظامه.

ويبدو أن السبب وراء هذه الاحتجاجات هو رجل الأعمال والممثل السينمائي "محمد علي"، الذي كان مطلعا على الأعمال الداخلية للدولة المصرية بحكم عمل في عدد من المشروعات مع الجيش.

واتهم "علي" الرئيس المصري "السيسي" وعائلته ومستشاريه العسكريين بالفساد، بالإضافة إلى ذلك، فقد نشر مقاطع فيديو تكشف عن مخالفات وفساد في العقود العسكرية وغيرها، وحث الناس على تنظيم احتجاجات جماعية للإطاحة بالرئيس.

ومن منفاه الاختياري في إسبانيا، ظهر "علي" من بين الرماد ليحيي آمال منتقدي الحكومة، فهو شخص تخلى عن العلاقات مع الطبقة المذهبة من الرأسمالية المقربة من السلطة في مصر من أجل تولي دور فاضح المخالفات.

وهو الشخص الذي فضح أين اختفت أموال مصر في الوقت الذي ينضم فيه ملايين المصريين إلى مصاف الفقراء في كل يوم، وقد رسمت أحاديثه ومقاطع الفيديو الخاصة به صورة لنظام حكم فاسد وكلبتوقراطي "لصوصي" يقوده الرئيس ومستشاروه المباشرون وكبار ضباط الجيش الذين يستفيدون ماليا بشكل مباشر وغير شرعي من المشروعات التي تمولها الدولة.

أجواء الربيع

لكن المظاهرات التي تجري اليوم لا تشبه تلك التي حدثت مطلع عام 2011 إبان الربيع العربي، وهناك الكثير من الغموض حول المزيج المكون للاحتجاجات، وهوية الداعي إليها، والقمع الحكومي المتردد في البداية، ولم تظهر بعد تلك الصور لملايين الناشطين الشباب الذين احتشدوا في الساحات العامة في عام 2011 للمطالبة بإنهاء نظام الرئيس السابق "حسني مبارك".

ولا يبدو أن أولئك الذين يسيرون اليوم ويرددون شعارات عن تغيير النظام يتمتعون بتغطية إعلامية واسعة النطاق على مدار الساعة مثل تلك التي جعلت من التحرير وماسبيرو والقاهرة والإسكندرية والسويس، وغيرها من الميادين والساحات الشائعة، أيقونات للاحتجاج في جميع أنحاء العالم.

وفيما عدا دعوات منظمة حقوقية بشأن حماية حق المصريين في التعبير عن آرائهم بحرية، لا يبدو أن حكومات العالم تولي الكثير من الاهتمام، وحتى الآن، لم تعرب تلك الحكومات عن الكثير من المخاوف بشأن ما يجب اعتباره عادة عدم استقرار في مصر.

وبصرف النظر عن تطويق أماكن التجمع الرمزية مثل ميدان التحرير في القاهرة، وأمر الشرطة بمهاجمة المحتجين بالغاز المسيل للدموع، مئات الاعتقالات تعسفية، فإن الدولة نفسها لا تبدو قلقة للغاية.

ومن المؤكد أن الاحتجاجات يتم التعامل معها كما لو كانت أعمال شغب تحريضية من قبل جماعة الإخوان المسلمين، ولا تظهر وسائل الإعلام الموالية للنظام الذعر، ويزور الرئيس "السيسي" نفسه نيويورك لحضور الاجتماع السنوي السابع والأربعين للأمم المتحدة، ظاهريا لإظهار أن الاحتجاجات لا تهم ولا تهدد النظام، ويبدو جزئيا أنه يتولى زمام الأمور، خاصة أمام قادة العالم الآخرين، والأهم من ذلك أمام الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب".

وبعد توليه منصبه في عام 2013، بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب "محمد مرسي"، من المرجح أن "السيسي" قد فكر في إمكانية حدوث انقلاب ضده أثناء تواجده خارج البلاد، لكنه في الحقيقة لم يكن مضطرا للنظر في هذا الاحتمال في هذه المرة.

وفي عام 2011، لم تنتفض القوات المسلحة المصرية ضد "مبارك" حتى أثناء تواجد ملايين المصريين في الشوارع، وأخبر المجلس الأعلى للقوات المسلحة الرئيس السابق فقط أن الوقت قد حان كي يتنحى، ليس لأن المتظاهرين أصروا على رحيله، ولكن أيضا لأن أصدقاء مصر الدوليين، خاصة الولايات المتحدة، قرروا سحب دعمهم.

ويحجم الجيش المصري اليوم عن سحب دعمه للرجل الذي أطاح برئيس من جماعة الإخوان المسلمين، وفي الواقع، لا ترى المؤسسة حاجة للقيام بذلك مع الآلاف فقط من المتظاهرين في الشوارع. علاوة على ذلك، لا يوجد من بين كبار قادة الجيش الساخطين أو حتى الضباط الأقل مرتبة من يريد أن يتحمل مسؤولية إدارة دولة ذات اقتصاد متعثر تتقلص مكانتها الدولية.

ربيع المصريين لم ينته

ومع ذلك، لا يمكن لأحد أن يتجاهل الرسالة التي لا لبس فيها التي يرسلها المصريون أو أن يتهرب منها، وهي أن ربيعهم العربي لم ينته، وأنهم يظلون ملتزمين بالمُثُل التي أخرجتهم إلى الشوارع قبل 8 أعوام.

وربما تكون التجربة الديمقراطية في مصر قد تعطلت في عام 2013، بعد عودة القمع بصورة أشد، وربما يكون الاحتمال الأكبر أن ينضم العديد من المحتجين اليوم إلى أشقائهم داخل السجون، لكن أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بالتغيير وغيرهم ممن قرروا مقاومة القمع، يبدو أن مصممين على الإبقاء على ثورة 25 يناير 2011 على قيد الحياة.

وكما هو الحال في تلك الأيام المليئة بالأمل، يبقى الأمل في أن تتمكن مصر من رسم طريق ديمقراطي للمضي قدما، بعيدا عن الدولة الأمنية التي خنقت المعارضة والحريات باسم التنمية، ويلفت المتظاهرون انتباه العالم إلى حكومة تسلب أموالهم بشكل مستمر لصالح مؤسسة عسكرية مهيمنة ونخبة فاسدة منتفعة.

المصدر | عماد حرب - المركز العربي واشنطن دي سي