الأربعاء 25 سبتمبر 2019 05:37 م

مصر.. التفكيك التدريجي لادعاء السلطوية احتكار الحقيقة

يستند ادعاء الحكم في مصر احتكار الحقيقة على قاعدة ازدراء التعددية ونزع المصداقية عن الرأي الآخر.

ليس المواطن المصري غير فرد من «الرعية» يأذن له رأس السلطة متقمصا دور البطريرك بالحديث في أمور البلاد أو لا يأذن.

المصريون ليسوا مواطنين بل رعايا يتعين عليهم الالتزام بأوامر ونواهي الحكم وإلغاء فعلي لحق الناس في المعرفة والاختيار.

«لا تستمعوا إلا لي» يكشف ازدراء الحكم للتعددية كخطر وتصنيفه أصحاب الآراء المعارضة كأهل شر يزيفون الحقيقة ويريدون الخراب والدمار.

حديث صراعات «الأجهزة السيادية» ينتجه من راهنوا في 2013 على التزام الحكم الذي أجهض آليات الديمقراطية بسيادة القانون والحقوق والحريات.

*     *     *

على من يعتقدون أن الحكم في مصر يتعامل دون اختيارات حاسمة أو بعشوائية مع ملفات الحقوق والحريات أن ينظروا إلى عموم المشهد المجتمعي والسياسي لكي يتثبتوا من بطلان اعتقادهم، وعلى من يروجون لكون الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والمعلوماتية تتصارع فيما بينها وأن انفراجة في قضايا الحقوق والحريات قد تحدث من جراء ذلك أن يعيدوا قراءة تفاصيل المشهد المصري لكي يتيقنوا من خطأ ما يروجون له.

فالحكم في مصر يتصرف وفقا لنص سلطوي واضح وممنهج، لا غموض ولا عشوائية به. وحديث الصراعات والتناقضات بين «الأجهزة السيادية» ينتجه من راهنوا في 2013 على إمكانية التزام حكم أوقف الآليات الديمقراطية بسيادة القانون وضمانات الحقوق والحريات ولا يريدون الاعتراف بالتصادم المبدئي بين حكم بوليسي الطبيعة والتوجه وبين كل ما يندرج تحت خانات الديمقراطية والحرية.

لا لبس في حصيلة الفترة الممتدة من 2013 إلى اليوم وعقارب الساعة أعيدت إلى وراء أبعد زمنا عن مجرد ما قبل ثورة يناير 2011. بوضوح ومنهجية، أميتت الحياة السياسية بمضامين الانفتاح والتنافسية التي تلت ثورة يناير، بل أميتت أيضا بمضامين التعددية السياسية المقيدة التي حضرت إبان عقود حكم الرئيس الأسبق مبارك.

ومما نسميه تفاعلات سياسية بقي لنا في مصر فقط عمليات انتخابية شوهت يتنافس بها فقط مبايعو الحكم ومؤسسة تشريعية تعرف دورها كظهير للحاكم ويحظر على المنتسبين إليها «التورط في توجيه النقد» إن لأعمال السلطة أو لممارسات الأجهزة السيادية.

بوضوح ومنهجية، حوصرت منظمات المجتمع المدني وعصف بالحريات النقابية على نحو حد كثيرا من فاعلية الاحتجاجات السلمية إن ضد الانتهاكات الرسمية لحقوق الإنسان والحريات أو بشأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي ينفذها الحكم أو رفضا لشبهات الفساد على ما شاهدنا خلال الأيام الماضية.

واتبع الحكم في هذا الصدد خليط من ممارسات التعقب والتهديد والعقاب باتجاه الفاعلين المستقلين في مساحتي المجتمع المدني والنقابات كما باتجاه المواطنين الذين تجاوزوا حاجز الخوف من عواقب التعبير السلمي عن الرأي والممارسة العلنية للاحتجاج.

تصاعد المضمون القمعي وصولا إلى إنهاك منظمات المجتمع المدني بعمليات تقاضي لا تتوقف واصطدام مباشر بالنقابات المتمردة على القبضة القمعية (نقابة الأطباء ونقابة الصحافيين في 2016 نموذجا) وسلب حرية المشاركين في الاحتجاجات السلمية (توقيف عشرات وربما المئات ممن شاركوا في التظاهرات المحدودة خلال الأيام الماضية).

بوضوح ومنهجية، أغلق منذ 2013 الفضاء العام في مصر وأعيدت عقارب ساعة حرية التعبير عن الرأي إلى وراء لم تعاصره الأغلبية الشابة من المواطنات والمواطنين.

يوظف الحكم سلب الحرية وجرائم وعقوبات قاسية أخرى لتهجير المواطن من الفضاء العام، يطلق اليد القمعية للأجهزة الأمنية لإخماد الطاقات الاحتجاجية لقطاعات سكانية مؤثرة كالطلاب والشباب والعمال، يهدد المواطنين بالتعقب والعقاب (متنوع الأدوات والمستويات) ما لم يمتثلوا للرأي الرسمي أو يصمتوا عن الانتقاد والمعارضة، يفرض الإنكار استراتيجية رسمية وحيدة للتعاطي مع جرائم وانتهاكات للحقوق والحريات.

وبالإضافة إلى كافة هذه الاستراتيجيات والممارسات المنفذة منذ 2013 بحدة غير مسبوقة، أخضع الحكم المساحات الإعلامية إن لسيطرته المباشرة (عبر تملك الأجهزة السيادية لوسائل الإعلام) أو لسيطرة رأس المال المتحالف معه (العديد من وسائل الإعلام الخاصة) وألزم الإعلام من ثم بالرواية الرسمية.

أما تلك الرواية الرسمية، فجوهرها طيف من الأوامر التي يصدرها رئيس الجمهورية ونخبة الحكم إلى المواطنين بوجوب الثقة في السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة وبحتمية الامتناع عن المطالبة بالديمقراطية أو الإصلاح السياسي وبضرورة مسايرة الإنكار الحكومي لحدوث انتهاكات للحقوق والحريات.

وعلى هوامش الرواية الرسمية، يروج باتجاه الفضاء العام لاحتكار الرئيس ونخبته للحقيقة والصواب عبر مقولات من شاكلة «لا تستمعوا إلا لنا»، «لا تتحدثوا في هذه الأمور بعد الآن»، وغيرها.

من جهة، يأتي الأمر بوجوب تجاهل كافة الأصوات والآراء عدا صوت ورأي رأس السلطة التنفيذية كاشفا لرفض الحكم للتداول الحر للمعلومات إن بشأن حقوق الإنسان والحريات أو فيما خص القضايا الاقتصادية والاجتماعية والأمنية أو في سياق نفي شبهات الفساد.

يكشف ذات الأمر «لا تستمعوا إلا لنا» عن ازدراء الحكم للتعددية في الرأي وتعامله معها كخطر يهدد البلاد وأهلها وتصنيفه لأصحاب الآراء المعارضة كأهل شر يزيفون الحقيقة ويفبركون الأحداث ويريدون الخراب والدمار.

وعلى قاعدة ازدراء التعددية ونزع المصداقية عن الرأي الآخر يستند ادعاء الحكم في مصر احتكار الحقيقة المطلقة واستعداده المستمر لقمع المعارضين لإسكات أصواتهم ورغبته في استتباع كافة التنظيمات الوسيطة كالمجتمع المدني والنقابات والإعلام المستقل لكونها تقف عائقا دون هيمنة الصوت والرأي الرسميين دون مقاومة.

من جهة ثانية، تدلل مقولات مثل «لا تتحدثوا في هذه الأمور بعد الآن» على تورط الحكم في نظرة شديدة البدائية إلى المواطن وحقه في طلب المعلومة وفي التعبير الحر عن الرأي وفي بناء الوعي اللازم للاهتمام بالقضايا العامة.

ليست المواطنة المصرية هنا غير فرد من «الرعية» يأذن لها رأس السلطة التنفيذية، متقمصا دور الأب البطريركي، بالحديث في أمور البلاد أو لا يأذن.

ليس المواطن المصري هنا صاحب حق أصيل يتيح له المطالبة بالشفافية في التعامل مع «أمور» كشبهات الفساد وكيفية توزيع مخصصات الموازنة العامة على المرافق والمصالح والوزارات المختلفة أو المطالبة بمعرفة التفاصيل الحقيقية لسلب حرية مصريين ومصريات لم يفعلوا غير التعبير عن الرأي والاحتجاج السلمي أو التساؤل حول سبل الحد من الإخفاقات في قطاعات مثل التعليم والصحة أو الخروج من أزمات الفقر وتركيز الثورة في يد القلة.

المصريون هنا ليسوا مواطنين، بل رعايا يتعين عليهم الالتزام بأوامر ونواهي الحكم بشأن القضايا العامة والنتيجة هي الإلغاء الفعلي لحق الناس في المعرفة والاختيار الحر والتأسيس لدولة الأخ الكبير.

* د. عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية، باحث بجامعة ستانفورد الأمريكية.

المصدر | القدس العربي