الثلاثاء 1 أكتوبر 2019 08:08 ص
  • تتراجع الديمقراطية أميركيا وبريطانيا ونهجاً ومفهوما بفعل ممارسات ترامب وجونسون وخطابيهما.
  • لا عزاء للمتباكين بالغرب على الديمقراطية فالتيار القومي الشعبوي الصاعد حاليا ينتج حكاما يتشابهون ويتقاربون!
  • إذا  استمر جونسون سيقود بريطانيا إلى فوضى اقتصادية ومالية لأنه مرتبط بـ«لوبيات» تتصيد مكاسب «البريكست».
  • أشاع ترمب الفوضى في السياسة الدولية وخاصم حلفاءه إلا إسرائيل التي توحّشت وبذر بذور حرب مع إيران سيُضطرّ إليها مع قليل من الحلفاء.

*     *     *

الدول الخمس الكبرى مأزومة داخلياً وخارجياً. في الولايات المتحدة، يتداول مجلس النواب إجراءات عزل الرئيس دونالد ترامب. وفي بريطانيا، أصبح رئيس الوزراء بوريس جونسون معطوباً. وفي روسيا، خسر حزب الرئيس فلاديمير بوتن للمرة الأولى في انتخابات محلية.

وفي الصين، يواجه نظام الرئيس شي جينبينغ امتحاناً لسلطته في احتجاجات هونغ كونغ المتواصلة. وفي فرنسا، عادت شعبية الرئيس إيمانويل ماكرون للهبوط مع عودة متظاهري «السترات الصفراء» للشارع.

لا تتشابه الأزمات إلا في جدّيّتها، ولعل قاسمها المشترك الذي يمكن استشرافه أن جميع هؤلاء الرؤساء يصطدمون بضوابط السلطة التي يتجاوزونها، أو حاولوا استبدال الأمر الواقع بالقوانين ويحاولون فرضه بالتعديل والممارسة القسريين.

لذا يصطدمون بأن الواقع أقوى من أن يغيّروه، مهما غلظت وسائلهم، ولا يتردّدون في الإعجاب بدكتاتوريين يتوصّلون إلى نتائج يرومونها مهما كان الثمن دموياً.

لا تدّعي روسيا والصين أن لديهما «ديمقراطية»؛ بل تطبّقان قوانين سلطوية قابلة للتغيير بشطحة قلم. الأهم من ذلك أنهما لا تعملان لاتباع نموذجيهما وإن كانتا تفرضانه حيثما تسمح الظروف.

كما في الجمهوريات السوفييتية السابقة، وكذلك في سوريا بالنسبة إلى موسكو، وكما في هونغ كونغ التي عاشت نحو قرن وفقاً لنمط بريطاني لم يخلُ من قيم الحرية والديمقراطية؛ لكن الصين التي استعادتها قبل عشرين عاماً تعتبر أنه حان الوقت لإعادة تكييف الحياة في الجزيرة مع الحريات المقنّنة إلى أدنى حد لديها.

ومع أن السلطتين الروسية والصينية -الشعبويتين بطبيعتهما- دائمتا الخشية من تمدّد مَن هم على يمينها، فإن اليمين الحاكم في أميركا وبريطانيا وفرنسا يتعرّض أيضاً لتحديات ممن هم على يمينه.

لكن ترامب أثبت قدرة في المزايدة على أقصى اليمين والتموقع في صفوفه، فيما يحاول جونسون التمنهج لاجتذابه واحتوائه، ولا يبدو أي منهما مستعداً للتخلي عن الخطاب الشعبوي؛ كونه مجدياً انتخابياً.

أما ماكرون الذي هزم الأحزاب التقليدية، فيواجه ظاهرة مختلفة تتمثل في تحالف «موضوعي» بين شعبويتي أقصى اليمين وأقصى اليسار؛ إذ تجدان في إفشاله سبيلهما الوحيد للوصول إلى السلطة.

المسألة التي طُرحت في الحالين الأميركية والبريطانية، أن الديمقراطية تتراجع -نهجاً ومفهوماً- بفعل ممارسات ترمب وجونسون وخطابيهما:  

- الأول أخضع العلاقة مع أوكرانيا مثلاً لمصالحه الانتخابية ضد المنافس المفترض جو بايدن.

- الثاني اتُّهم قضائياً بخداع الملكة والشعب والبرلمان عندما طلب تعليق عمل المشرّعين لتحقيق استراتيجيته، سواء للخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق أو التمهيد لانتخابات مبكّرة.

ومع هذين الرجلين، لم يعد الجمهوريون الأميركيون ولا المحافظون البريطانيون محافظين فعلاً؛ أي حريصين على عقلية المؤسسات في الحكم بمعزل عن الوجهة التي تتخذها سياساتهم.

استطاع ترمب خلال عامين من ولايته أن يشيع الفوضى في السياسة الدولية، وتخاصم مع جميع حلفائه، باستثناء إسرائيل التي دفعها إلى مزيد من التوحّش، ثم زرع بذور حرب مع إيران، وقد يُضطرّ إليها؛ لكن مع القليل من الحلفاء.

أما جونسون الذي وصفه سلفه ديفيد كاميرون بأنه لا يتردّد أمام شيء للوصول إلى السلطة، فقد يقود بريطانيا -إذا تمكّن من الاستمرار- إلى فوضى اقتصادية ومالية، فقط لأنه مرتبط بـ«لوبيات» تتأهب لتحصيل مكاسب من «البريكست».

ولا عزاء للذين يتباكون في الغرب على النموذج الديمقراطي؛ فالتيار القومي-الشعبوي الصاعد هو الذي ينتج حكام هذه الأيام، وهؤلاء لا ينفكّون يتشابهون ويتقاربون.

  • عبدالوهاب بدرخان - كاتب صحفي لبناني
المصدر | العرب القطرية