الخميس 10 أكتوبر 2019 07:05 ص

ما بعد الانتفاضة الأمريكية

الصين إمبراطورية فى بعض ممارساتها وقوة عظمى فى ممارسات أخرى؟

هل تنتفض أمريكا انتفاضة ثانية بعد انتفاضة ترامب فستعيد مكانتها بصدارة المتسابقين؟

كشف ترامب عمق اهتراء المجتمع الأمريكي عرقيا وطائفيا وكشف ضحالة طبقته السياسية وفسادها.

هل تسلم أمريكا أوروبا لروسيا أو لروسيا والصين معا طوعيا ويعود الأطلسى حاجزا منيعا يفصل عالمين؟

انفراط معسكر الغرب كمصدر أصالة وشرعية أمريكا القطب الذى يجسد فى ذاته أيديولوجية وثقافة حضارة هيمنت يهدد أمريكا.

هل تسلم أمريكا للصين التي هى رمز حضارة مختلفة حق تغيير مفردات وهياكل نظام دولى تعبت أوروبا وأمريكا فى وضع أساساته وآن استبداله؟

*     *     *

لم أفهمهم وهم يصفون الصين بأنها، بالنسبة لهم، هواية. كانوا جماعة من دبلوماسيين وصحفيين اشتغلوا فى الصين لمراحل طالت أو قصرت. لم أقدر قيمة هذا الوصف إلا بعد فترة من الحل والترحال فى قارات ثلاث.

حاولت على مدى سنوات قليلة مرت منذ أن غادرت موقعى فى بكين تفسير وأحيانا تبرير تغيرات طرأت على جداول اهتماماتى المهنية والأكاديمية. لن أطيل.

اكتشفت، بين ما اكتشفت وهو كثير، أن فهم العلاقات الدولية ضرورى لفهم سلوك رجال السلطة فى الشؤون الداخلية فى دولة ما حتى وإن كانوا هم الذين اختاروا الانعزال عن العالم الخارجى أو فرض عليهم.

كان من بين حظوظي قربي من تجربتين نادرتى التكرار، كنت قريبا جدا من الصين عندما وقع اختيار قادتها على الانعزال فى خلال لحظات الانطلاق «الزلزالى» نحو مستقبل مختلف جذريا. بعدها كنت قريبا، نسبيا، من تجربة قادة كوبا عندما فرضت عليهم أمريكا الانعزال. قاوموه بمحاولة نقل أفكارهم إلى شباب فى أمريكا الجنوبية والعالم الخارجى.

في الحالتين كانت النتائج على مجمل العلاقات الدولية والإقليمية مذهلة، وعلى مجمل مستقبل الدولتين، الصين وكوبا، وخيارات زعمائهما تحديدا، وأقصد زعماء الصين وكوبا، خارقة لتوقعات أكاديميين وسياسيين على حد سواء.

*     *     *

من ناحية أخرى وجدت نفسى أنحاز بالوقت والجهد فى محاولة الحصول على فهم أعمق لقضية لم يتجاهلها أو يهملها أهم مفكرى أول عصر فى تاريخ الإمبراطوريات.

أما القضية فكانت عن الظروف والملابسات وأمزجة الشعوب ومستوى ذكاء الحكام وميولهم الشخصية وأمور أخرى كانت قائمة فى لحظات تاريخية نادرا ما تتكرر، لكن ينتج عنها سقوط إمبراطوريات وصعود أخرى.

متعة ما بعدها متعة المتابعة الدقيقة لتوالى سقوط وصعود إمبراطوريات مصر القديمة والصين وإمبراطوريات جنوب أوروبا وبخاصة إمبرطوريتي الإغريق والرومان وإمبراطوريات غرب أوروبا، وآخر مشاهدها الانحدار المتدرج بالتنازل الطوعى للإمبراطورية البريطانية والصعود بالحرب المناسبة للإمبراطورية الأمريكية.

هنا بدأنا نرفض التوصيف الإمبراطورى لحال وتطورات النظام الدولى والنظم الإقليمية لصالح توصيف فرضته الآثار بعيدة المدى لثورة فرنسا وحروب نابليون. وصلنا فى نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وبالتحديد بعد الحرب العالمية الأولى، إلى الإقرار بأهمية الحلول بمفهوم القوة العظمى محل مفهوم الإمبراطورية.

*     *     *

مر من الزمن قرن أو أكثر ونبقى إلى يومنا هذا حائرين أمام فجوات فى تعريف الواقع الذى نعيش. أتكون ما تسعى الصين إلى صياغته بعد أن صنعته وضعا لبكين كمركز لإمبراطورية صينية بمعالم معروفة تاريخيا وجغرافيا.

ولكن أيضا بشعارات ووثائق وبعض هياكل دبلوماسية ومراسيمية مستعارة بصفة مؤقتة أو دائمة من تجارب فى القرن العشرين؟ هى إمبراطورية فى بعض ممارساتها وقوة عظمى فى ممارسات أخرى؟

بمعنى آخر، هل سيتسنى للصين صنع نموذج توفيقى يجمع بين معالم تقليدية لا أظن أن الزعامة الصينية الراهنة قادرة (حتى وإن كانت راغبة) على التخلص منها ورفض السير على نهجها وبين معالم عصرية تخضع لاعتبارات غربية المنشأ وفى الغالب غربية المحتوى والمضمون.

هى بالتأكيد ليست من صنع كونفوشيوس وعباقرة الفلسفات الصينية القديمة وليست من صنع الرئيس ماو وفلاسفة الماركسية اللينينية الماوية وإن أضيفت إلى مواصفاتها عبارة «بمواصفات صينية».

إنها معضلة الصين فى الحاضر وأساس تقدمها أو تعثرها فى المستقبل، وأظن أنها ستظل، كما هى الآن مفتاح الحرب والسلام فى آسيا على المدى المنظور.

لا أبالغ إن راح الظن بى إلى اعتبار أحداث هونغ كونغ الراهنة ليست أقل من جرس إنذار إلى حكام الصين كما هى تماما إشارة تحذير لشعوب تايوان والتبت وسينغيانغ وأقليات صينية وحكومات بكل منطقة جنوب شرقى آسيا وسكان يعيشون الآن فى الولايات والإقطاعيات التى عاشت على أطراف الصين فى عصورها الإمبراطورية ودانت بالولاء أو العداء لها. أقصد سكان فيتنام وميانمار وممالك تايلاند وكمبوديا وغيرها.

*     *     *

لدينا حاليا ثلاث دول عظمى تسعى كل منها للاستفراد فى أحسن الأحوال بموقع القطب الأوحد وفى أسوأ الأحوال بموقع قطب عظيم مشارك. أتينا بداية على الصين الملتزمة ثقافة سياسية مختلفة جذريا عن ثقافة سياسية سادت فى الغرب ومنه إلى مستعمراته فى الشرق خلال معظم مراحل التاريخ السياسي كما وصل إلينا.

بقيت فى الغرب الولايات المتحدة قوة عظمى مجتهدة فى بذل الجهد الممكن لتعويض ما فاتها وإعادة ما انحدر أو هوى وسقط من أرصدة قوة وحضارة. مشكلتها، أو إحدى مشكلاتها كما أتصور، أنها تقيس التدهور والصعود بمقاييس عقود عصر القوتين الأعظم وسنوات القطبية الأحادية بينما الصين تقيسها بمقاييس تغلب عليها الطباع الإمبراطورية الموروثة والمغروسة فى ثقافة الصين السياسية.

أقارن بين دور الرئيس دونالد ترامب فى الحرب المشتعلة بين واشنطن وبكين حول التجارة ودور الرئيس شى لأزداد اقتناعا بأن ما نراه وسنرى كثيرا جدا مثله فى المستقبل ليس سوى إشارات كاشفة عن تفصيلة بسيطة فى هيكل نظام حكم يسترد فورا وبالعنف السياسى ما فقد وتفصيلة بسيطة فى هيكل نظام أكثر تعقيدا لن يسلم أو يتنازل إلا بعد حسابات طويلة يتدخل فيها عامل التاريخ وتراث السياسة وتجارب الأقدمين المتراكمة. فارق غير بسيط بين الغرب والشرق.

رأينا ونرى خط استثمارات وبنى تحتية وطرق عابرة لدول وثقافات، رأيناه يشق طريقه ملتويا فى مسيرته التواءات التنين الأسطورى، يربط مصالح دول ببعضها البعض وفى الوقت نفسه يربطها بمصالح الصين، مصدر الاستثمارات والخبراء ومعمل التكنولوجيا الأسبق والأحدث وموقع سداد أقساط ديونها وإرضاء نفوذها.

لا أذكر أن دولة غربية استطاعت فى أقل من تسع سنوات أن تنفذ مثل هذا المشروع الأخطبوطي الرهيب خلال رحلتها الإمبريالية طويلة العمر فى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

*     *     *

روسيا متشبثة بموقع فى صف القيادة. أظن أنها لن تعود قطبا ثانيا. ستبقى فى صف القيادة قطبا ولكن الثالث فى الترتيب. تعود روسيا منزوعة الأنياب الأيديولوجية وبالتالى قطبا ثالثا يقود مجموعة من دول بعضها فى أوروبا وأكثرها فى آسيا.

يعود تحت عنوان غير روسيا، ولن تكون المرة الأولى التى تتنازل فيها روسيا عن اسمها من أجل الحصول على منصب القطب الدولى. كان الاتحاد السوفييتى العنوان الذى اختارته لافتة لها فى المحافل الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، تسعى الآن، حسب أغلب الظن، لتكون أوراسيا (بدون الصين) عنوانها الجديد.

هنا أيضا، كما يبدو واضحا، لن يخلو الأمر من مشكلات وجيهة وليست خطيرة. خذ مثلا السباق الجارى الآن على «ميزة تفوق» صار بامتياز علامة الأيام التى نعيشها متفرجين على أنشطة الدول الثلاث.

الصين أعلنت بالفعل تفوقها بالتكنولوجيا بالغة التقدم. روسيا تعود لتغرق نفسها بالديون الداخلية سعيا وراء تفوق بارز فى إنتاج أسلحة بالغة الدمار أو سهلة الترويج فى جنوب يزداد عنفا.

أمريكا، وبفضل ترامب، تسعى لتبقى الأقوى عسكريا، بحلف أطلسى أو بدونه أو بتحالفات متنقلة. لكنها مهددة بمشكلات عويصة.

يهددها أولا مجتمع كشف ترامب عمق اهترائه عرقيا وطائفيا كما كشف ضحالة طبقته السياسية وفسادها.

يهددها ثانيا رعب دفين من أن تتكرر فى الباسيفيكى أو فى غيره واقعة بيرل هاربور سواء بفعل فاعلين أمريكيين من نوع جون بولتون أو بفعل عدو خارجى.

يهددها ثالثا، ولصالح المتسابقين الآخرين، انفراط معسكر الغرب، الغرب الذى هو مصدر أصالة وشرعية أمريكا القطب الذى يجسد فى ذاته أيديولوجية وثقافة حضارة هيمنت وأثرت أيما تأثير.

هل مقدر لنا أن نرى أمريكا تسلم للصين، التي هى رمز حضارة مختلفة، حق تغيير مفردات وهياكل نظام دولى تعبت أوروبا وأمريكا فى وضع أساساته وبناء هياكله ومؤسساته وآن أوان استبداله.

أم سنرى أمريكا تسلم لروسيا أو لروسيا والصين معا، تسلم لهما طوعيا، أوروبا ويعود الأطلسى حاجزا منيعا يفصل بين عالمين، عالم جديد جدا وعالم كان جديدا إلى عهد قريب جدا؟

أم سنرى أمريكا تنتفض انتفاضة ثانية بعد انتفاضة قادها أو تسبب فيها دونالد ترامب مستعيدة مكانتها فى صدارة المتسابقين؟

* جميل مطر كاتب ومفكر مصري مهتم بالشؤون الدولية والعولمة والإصلاح.  

المصدر | الشروق المصرية