السبت 9 نوفمبر 2019 03:03 ص

توقعات النمو في الوطن العربي

يتوقع البنك الدولي تحسّن نمو معظم الدول العربية بمعدلات إيجابية 3 بالمئة.

تحتاج دول الخليج للتآلف طالما أنها تواجه مخاطر أمنية مشتركة وتفاعلها الداخلي مع بعضها أكثر مردودًا.

مشكلة مصر أن التكوين الرأسمالي فيها ينشأ عن استثمارات عسكرية وحكومية والطبقة الغنية القريبة من الحكم.

مستقبل النمو العربي أفضل من أوضاع الشعوب لكن النمو المستدام يقتضي إدارات اقتصادية وتعاونا عربيا أفضل.

*     *     *

في ضوء الأحداث المتتالية في الوطن العربي، يتساءل المحللون عن إمكانات النمو فيه. ومما يظهر من توقعات البنك الدولي المنشورة بشأن مستقبل معدلات النمو في دول المنطقة، يبدو أن هنالك مؤشرات تتناقض مع الحقائق البسيطة المعروفة، فالمظاهرات في مصر لا تنسجم مع معدلات النمو الحالية والمتوقعة هناك. ولماذا تتراجع معدلات النمو في بعض دول الخليج العربية، مثل دولتي قطر والكويت؟

ولماذا لا نرى أي احتجاجات في دولة كالمملكة المغربية، علماً أن معدلات النمو الفعلية والمتوقعة متذبذبة، وتقل عن دول فيها اضطرابات؟

هذه أسئلة كبيرة ومعقدة إلى حد ما، وقد يطول فيها البحث والشرح. ولكن نظرة بعين كاميرا مركّبة على طائرة بدون طيار، قد تكفي للتعامل مع بعض الحقائق.

من الواضح أولاً أن دولاً عربية، مثل الصومال وموريتانيا وجزر القمر وليبيا واليمن، لا تتوفر عنها إحصاءات موثوق بها، ولذلك فإن تقديرات البنك الدولي لمعدلات النمو الحقيقي لا تشملها.

ومن الواضح أيضا أن دول الخليج لم تحقق في الأعوام 2016- 2019 معدلات نمو تتماشى مع إمكاناتها، فهنالك الحروب في المنطقة، وكذلك جعل تباطؤ التدفق التجاري والاقتصادي بين دول الخليج أعلى معدلات نمو فيها تتحقق عام 2016 في سلطنة عُمان ثم البحرين.

ولكن عام 2017 شهد تراجعاً في نمو سلطنة عُمان إلى سالب 0.9%، وكذلك المملكة العربية السعودية. وهبط معدل النمو في دولة قطر إلى 1.6%، وفي دولة الإمارات إلى 0.8%. وبذلك يكون عام 2017 هو الأسوأ خليجياً، أي منذ بداية الحصار الاقتصادي على قطر.

أما المفاجئ، فإن أعلى معدلات نمو تحققت عام 2016 كانت في العراق (13.0%)، وفي جيبوتي (8.6%)، ومصر (4.3%)، وسلطنة عُمان (5.0%)، والضفة الغربية وقطاع غزة (4.7%).

وقد هبطت معدلات النمو في الدول العربية كلها عام 2017 باستثناء البحرين، ومصر، وقد شهدت الكويت أكبر خسائر، إذ هبط معدل النمو فيها من 2.9% عام 2016 إلى سالب (3.5%). وشهدنا النسق نفسه في كل من سلطنة عُمان، والسعودية، والعراق الذي هبط معدل نموه من 13% عام 2016 إلى سالب (2.1%) عام 2017.

أما في عامي 2018 و2019، فقد بقيت دولة واحدة تعاني من تراجع النمو الاقتصادي، وهي العراق. أما باقي الدول فقد حققت معدلات إيجابية، وإن كانت أقل من عام 2016. واستمرت جيبوتي ومصر في تحقيق أعلى معدلات النمو الاقتصادي.

أما في الأعوام 2020 و2021، فيتوقع البنك الدولي أن يحصل تحسّن على معدلات النمو في معظم الدول العربية، وتكون كلها معدلات إيجابية بمعدل 3.0%، وتبقى مصر وجيبوتي محققتين لأعلى معدلات النمو في حدود 7.5% لجيبوتي و6% لمصر.

بينما ستتراوح معدلات النمو في دول الخليج بين 2.8% في سلطنة عُمان، وستصل إلى 3.5% في دولة الإمارات، وبتقدير البنك الدولي أن عام 2021 سيشهد معدلات النمو نفسها التي قُدرت للعام 2020.

وإذا كانت جيبوتي هي الأعلى نمواً، فالسبب يعود إلى نجاحها في الاستفادة من موقعها الجغرافي في القرن الأفريقي، ولكونها نقطة شحن لوجستية دولية، خصوصا بعد استكمال خط سكك الحديد الواصل بين أديس أبابا في إثيوبيا وجيبوتي على البحر الأحمر.

ولكن الأهم أن جيبوتي تستضيف جنوداً من سبع دول غربية وشرقية، بنَت لنفسها قواعد عسكرية فيها، بعدما كانت هذه القواعد حكراً على فرنسا. والسبب الأساس لوجود هذه القواعد هو حماية سفن الدول المعنية من القراصنة هنالك.

وبالنسبة لمصر، نتجت معدلات النمو المرتفعة فيها بالدرجة الأساسية عن بناء مشروعات كبيرة شغّلت الأيدي العاملة المصرية. وبسبب الاستثمارات التي جذبتها مصر من الدول العربية، خصوصا التي ترغب في الاستفادة من السوق المصرية الواسعة، لأن السياسة التجارية المصرية منغلقة، وتحد من التصدير إليها.

لكن المشكلة الأصعب في مصر أن التكوين الرأسمالي فيها ينشأ عن الاستثمارات العسكرية والحكومية، أو من الطبقة الغنية القريبة من القطاع العام. وتأخذ قضية الاقتصاد فترة طويلة، قبل أن تصل آثار هذا النمو إلى مختلف فئات الشعب، فيصبح الاستهلاك أكثر مساهمةً في إيجاد المضاعف المطلوب للنمو طويل الأمد.

الدول غير النفطية مثل الأردن، ولبنان، وتونس، والمغرب، بحاجة ماسّة لتحسين أدائها في إدارة مواردها البشرية والطبيعية، وإعادة هياكلها الإنتاجية لتصبح أكثر كفاءة وتنافسية في عالم صار أكثر انغلاقاً، ويتوقع من القطاع العام في هذه الدول أداء أفضل، حتى تطمئن شعوبها على أن مستقبلها يحمل الوعد بحياة أفضل.

أما دول الخليج فهي بحاجة إلى إعادة التآلف في ما بينها. وطالما أنها تواجه مخاطر أمنية مشتركة، وأن تفاعلها الداخلي مع بعضها بعضا هو الأكثر مردوداً، وطالما أنها تواجه تحدّيات إعادة هياكل الأسعار فيها لتعكس الكلف الحقيقية، وضبط موازناتها كيلا تبدأ في تسييل ثرواتها، فإن المطلوب منها إعادة بناء جبهة خليجية عند أدنى درجات التوتر الممكنة.

مستقبل النمو العربي يعكس احتمالات أفضل حالاً مما تعكسه أوضاع الشعوب واحتجاجاتها، ولكن تحقيق الأرقام وبناء نمو مستدام يقتضيان إدارات اقتصادية أفضل، وتعاونا عربيا أكبر.

* د. جواد العناني سياسي وخبير اقتصادي، نائب رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي سابقا.

المصدر | العربي الجديد