السبت 16 نوفمبر 2019 05:37 ص

الجغرافيا.. نعمة أم نقمة؟

رأى جمال حمدان أن «الجغرافيا تاريخ ساكن، فيما التاريخ جغرافيا متحركة».

مكان مصر نذرها لأقدار لم يكن هناك بد منها ولأدوار قامت بها وما زال عليها أن تقوم بها.

ينبغي ألا نظل أسرى لقدر الجغرافيا ومتاعبه بـ«تحريك» الجغرافيا وتحويلها إلى تاريخٍ من إرادة التغيير.

البلدان لا تختار مكانها فالجغرافيا هي من وزع البلدان على كوكب الأرض وفق حساب خارج عن إرادة البشر.

*     *     *

يمكن للبشر أن يختاروا أماكن عيشهم، فيستقرّوا فيها أجيالاً بعد أجيال، ويمكن لمن أراد منهم أن يُغيّر هذا المكان إن أراد، أو أن يجد نفسه قد هُجّر قسراً عنه، كما تدل على ذلك تواريخ الكثير من الشعوب والأقوام التي وجدت نفسها مجبرة على ترك أوطان كانت لها، إلى أراضٍ أخرى.

لكن البلدان لا تختار مكان وجودها. الجغرافيا هي من قرّر أن تتوزع البلدان على كوكب الأرض وفق حساب خارج عن إرادة البشر وعن قدراتهم في التحكّم فيه.

لسنا من اخترع البلدان، فهي قائمة قبلنا ومحكومة بجغرافيا ما، كأن تكون مطوقة بالصحارى، أو واقعة على شواطئ بحار أو محيطات، أو أن تكون غنية بالغابات المطيرة، أو تعاني من القحط وشحّ المياه.. الخ.

من بين المفكرين العرب كان الراحل جمال حمدّان أولّ من صاغ تعبير «عبقرية المكان»، وهو يتحدث عن موقع بلده مصر في كتابه الشهير «شخصية مصر»، الذي رأى محقاً بأنه مكان نذر هذا البلد لأقدار لم يكن هناك بد منها، ولأدوار قام بها وما زال متعيناً أن يقوم بها.

وحين يدور الحديث عن جمال حمدان، فإنه يصحّ القول بأنه الرجل الذي جعل أنهار الحياة تتدفق في شرايين الجغرافيا، فلم تعد مجرد علم جامد يهتم بالتضاريس والأنواء الجوية وما إليها.

وإنما هو علم وثيق الصلة بالتاريخ والسياسة، فالجغرافيا هي الأخرى تصنع الأدوار وليس التاريخ وحده، وتساهم في صنع الحضارات أو بالعكس في خرابها.

البلدان محكومة بواحدٍ من قانونين يبدوان نقيضين، فإما حسن الجوار والتعايش السلمي، وإما النزاعات والحروب والتدخلات من بلد جارٍ في الشؤون الداخلية في البلد المجاور، خاصة إذا كان أصغر مساحة وأضعف قوة، أو من البلدين معاً في شؤون كل منهما الداخلية.

إذا ما سرى القانون الأول عمّ الاستقرار والتنمية والتعاون المثمر، وإذا ما سرى القانون الثاني عمّت الفوضى والنزاعات وربما الحروب والدمار.

يبدو عالمنا العربي مختبراً نموذجيًا لاختبارات الجغرافيا، ما يحملنا على السؤال عما إذا كنا محظوظين بالموقع الذي اختارته لنا الأقدار، أم أن هذا الموقع جلب لنا الأطماع والتدخلات والنزاعات التي تعيد إنتاج نفسها.

لنعد إلى جمال حمدان الذي رأى، محقًا، أن «الجغرافيا تاريخ ساكن، فيما التاريخ جغرافيا متحركة». هذا القول العبقري يعيننا على إدراك أهمية ألا نظل أسرى للقدر الجغرافي وما قد يأتي به من متاعب، بـ«تحريك» الجغرافيا وتحويلها إلى تاريخٍ من إرادة التغيير.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة