السبت 30 نوفمبر 2019 08:37 ص

عيد الشكر الأمريكي
ساموسيت وسكوانتو شرعا فى تعليم الأوروبيين البيض صيد الطيور والحيوان والسمك وزراعة الذرة.

نجح عيد الشكر فى عبور كل الحواجز والوصول للأمريكيين من كل الأعراق والجنسيات من كل بقاع العالم.

جاءت نجاة الأمريكيين البيض الأوائل على يد اثنين من الهنود الحمر الذين تعرضوا إلى الإبادة على أيديهم فى ما بعد.

تحول الاحتفال بالنجاة من الهلاك إلى حدث سنوى وأعلنه الرئيس أبراهام لنكولن عام 1863 عيدا رسميا أطلق عليه عيد الشكر.

*      *     *

يأتى عيد الشكر (Thanksgiving) في الولايات المتحدة يوم الخميس الأخير من شهر نوفمبر من كل عام، وتنشغل النساء والرجال بإعداد ما لذ وطاب من الأطعمة المتنوعة التى يأتى على رأسها الديك الرومى.

وعيد الشكر هو عيد قومى علمانى، وليس مناسبة دينية، كما يبدو من اسمها، وفى هذا اليوم يتقدم الأمريكيون بالشكر لله لإنقاذ الأمريكيين الأوائل من المجاعة والهلاك، ويعتبر من أهم المناسبات التى تلم شمل الأسر والأصدقاء.

يعود الاحتفال بعيد الشكر إلى أوائل القرن السابع عشر عندما بدأت هجرة الأوروبيين إلى القارة الأمريكية هربا من اضطهاد الكنيسة الإنجليزية لهم.

وهاجر بعضهم من بريطانيا إلى هولندا، ومن ثم إلى الساحل الأمريكى على متن قارب خشبى اسمه ماي فلاور، وكانت الرحلة طويلة وشاقة، مات فيها الكثيرون منهم، ووصلت الرحلة فى النهاية إلى الشاطئ الشرقى لولاية ماساتشوستس فى شهر نوفمبر من عام 1621.

غير أن وصولهم تزامن مع دخول فصل الشتاء الذى يتميز بالبرد القارس والأمطار الغزيرة، علاوة على الثلوج التى أهلكت الكثيرين ممن جهلوا طرق الصيد والزراعة أثناء فصل الشتاء.

ومن المثير للدهشة أن نجاة الأمريكيين البيض الأوائل جاءت على يد اثنين من الهنود الحمر الذين تعرضوا إلى الإبادة على أيديهم فى ما بعد، والاثنان هما ساموسيت وسكوانتو اللذان شرعا فى تعليم الأوروبيين البيض صيد الطيور والحيوان والسمك وزراعة الذرة.

من هنا قرر الأمريكيون الأوائل الاحتفال بالنعمة ووجهوا الدعوة إلى الهنود الحمر والقبائل التى ينتمون إليها للاحتفال بما أسموه حينذاك عيد الشكر وتناولوا فيه الديك الرومى وطيورا أخرى.

غير أنه وبمرور الوقت اقترف الأوروبيون البيض العديد من المذابح ضد الهنود الحمر وأمعنوا فى قهرهم وقمعهم طمعا فى الاستيلاء والاستحواذ على المزيد من الأراضى التى كانت تقع تحت سيطرتهم.

*      *     *

وما زالت تعد الولايات المتحدة أكبر دول المهجر على مستوى العالم؛ حيث تفتح أبوابها للهجرة حتى قبل أن تصبح دولة ذات سيادة، وما زالت الهجرة إليها مستمرة حتى يومنا هذا.

ويصر المهاجرون الجدد على التعبير عن وجودهم من خلال ملابسهم، وعاداتهم، ودياناتهم، أكلاتهم، ولغاتهم. ونجح عيد الشكر فى عبور كل الحواجز والوصول للأمريكيين من كل العرقيات والجنسيات من كل بقاع العالم.

وتحول الاحتفال بالنجاة من الهلاك إلى حدث سنوى حتى أعلنه الرئيس أبراهام لنكولن عام 1863 عيدا رسميا للبلاد أطلق عليه عيد الشكر ويحتفل به فى الخميس الأخير من شهر نوفمبر من كل عام.

يعتبر عيد الشكر عطلة رسمية فى الولايات المتحدة، ويحتفل به الجميع، المسيحيون والمسلمون واليهود وغير المنتمين للأديان بالصورة نفسها، وتغلق جميع المحال والأسواق، بالإضافة إلى المؤسسات الحكومية والخاصة أبوابها.

وتجتمع العائلة الأمريكية فى هذا العيد ويلتئم شمل الأسر والأصدقاء فى كل أنحاء الولايات المتحدة، ويسافر فى هذا العيد أكثر من 45 مليون أمريكى جوا وبرا داخل وخارج الولايات المتحدة، وتقدم الأكلات والأطباق الخاصة بهذه المناسبة على مائدة عامرة تحتوى على الوجبة الأساسية المتمثلة فى الديك الرومى.

*      *     *

تقدر جمعية الديك الرومى الأمريكية أعداد الديوك التى يلتهمها الأمريكيون كل عام خلال موسم الاحتفالات والذى يمتد لأسابيع حتى حلول رأس السنة الجديدة إلى ما يقرب من 12 مليون ديك رومى.

وحسب الإحصائيات وصلت أعداد الديوك فى الولايات المتحدة إلى عام 1975 إلى نحو 124 مليون طائر، وأصبح عددها سنة 2003 نحو 269 مليون طائر، وتخطى العدد هذا العام أعداد سكان الولايات المتحدة البالغ 325 مليون نسمة، أى أنه أصبح هناك ما يمكن تقديره بديك رومى واحد أو أكثر لكل مواطن أمريكى.

وهناك تقليد طريف يتبعه البيت الأبيض منذ 1989 يتمثل فى قيام الرئيس الأمريكى بـ«العفو» عن ديك رومى «رئاسى» ليلة عيد الشكر ويعتقه من الذبح أمام حشد كبير من الصحافيين والمصورين الذين يلتقطون صورة الديك الرومى الذى يبدو «سعيدا» بنجاته، وينقل الديك المحظوظ بعد ذلك إلى المزرعة الرئاسية؛ حيث يقضى ما تبقى من حياته.

ويرتبط بعيد الشكر بدء موسم التسوق لأعياد الكريسماس التى تحل قبل نهاية الشهر القادم. ومع بداية هذا الموسم تفتح المحال والأسواق أبوابها منذ ساعات الصباح الأولى وحتى منتصف الليل وتعج فيه الأسواق بالحركة والنشاط.

ويعد اليوم الذى يلى الاحتفال بعيد الشكر ويعرف بـ«الجمعة السوداء» (Black Friday) أكثر الأيام التى يقبل فيها الأمريكيون على التسوق والشراء، وتقدم المحال التجارية والشركات ومواقع البيع الإلكترونى تخفيضات كبيرة فى الأسعار سعيا إلى جذب أكبر عدد ممكن من المستهلكين.

*      *     *

وبالنسبة إلى المهاجرين العرب، فتختلط مشاعر الحيرة والقلق والحنين إلى الوطن بالمغتربين العرب فى مواسم الأعياد والمناسبات الأمريكية عموما، فمنهم من تأقلم مع المجتمع المحيط به وصار جزءا منه، ومنهم من لا يزال يشعر بالغربة فى الاحتفال بالأعياد الأمريكية كالكريسماس وعيد الشكر.

وهناك من لا يعانى من أى مشكلة فى الاحتفال بالأعياد الأمريكية والأعياد العربية معا، أما عرب الوطن العربى فلا أفهم سر التقليد الأعمى الذى امتد من أعياد عاطفية كالفالنتاين وصولا لأعياد اجتماعية مثل الهالوين ومنها لمناسبات أمريكية بحتة مثل عيد الشكر والجمعة السوداء.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن.

المصدر | الشروق المصرية