ترامب إذ يقنن مراوغات «معاداة السامية»

النقاش والبحث والعقلانية ممنوعة. حرية الرأي والتعبير ممنوعة. أين؟ في بعض الجامعات الأميركية. لماذا؟

الباطل هو فرض التماهي بين إسرائيل واليهودية بغية تبرئتها كدولة مرتكبة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موثّقة دولياً.

عداء ترامب السافر لفلسطين فاق كل متاجرة بالكراهية فهو يقدّم «الهديّة» تلو الأخرى لإسرائيل للحصول على أصوات اليهود.

وفقاً لعقلية ترامب يصبح طبيعياً حرمان شعب فلسطين من حقوقه والنضال لنيل حريّته و تقرير مصيره والسعي لإنهاء الاحتلال.

*     *     *

النقاش والبحث والعقلانية ممنوعة. حرية الرأي والتعبير ممنوعة أيضاً. أين؟ في بعضٍ من الجامعات الأميركية. لماذا؟ لأن أساتذة وطلاباً فيها ينتقدون إسرائيل، يستنكرون ممارسات سلطة الاحتلال ضد الفلسطينيين، ويدينون الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي، والأخطر أنهم يدعمون حركة «بي دي أس» الداعية إلى مقاطعة إسرائيل ومعاقبتها، وسحب الاستثمارات منها.

أقلقت هذه الحركة المدنية اللاعنفية إسرائيل، أزعجتها، إذ تسببت بخسارتها مليارات الدولارات، فجنّدت كل إمكاناتها الدبلوماسية لمحاربتها، لكنها فشلت عموماً، وحققت بعض النجاح.

لا شك أن نجاحها الأكبر تمثّل بأمر تنفيذي وقّعه الرئيس الأميركي لحجب التمويل الفيدرالي للجامعات التي تسمح بأنشطة معادية لإسرائيل وموصومة بـ«معاداة السامية». هذه التهمة التي عمل اليهود حيثما كانوا، على مأسستها بالقوانين، تحت عنوان منع تكرار «الهولوكوست»، لكن ما بدا دفاعاً عن حق صُيِّر مع الوقت دفاعاً عن باطل. كيف؟

لا شك أن الباطل هنا هو فرض التماهي بين إسرائيل واليهودية، بغية تبرئتها كدولة مرتكبة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موثّقة دولياً. هذا يشبه إلى حد كبير سعي الكثير من الجهات إلى فرض التماهي بين الإرهاب والإسلام بهدف نسب الجرائم الإرهابية إلى الدين نفسه.

دونالد ترمب أعاد بمرسومه تعريف اليهودية على أنها «قومية وديانة»، متبنيّاً رسميّاً مفهوم «إسرائيل دولة يهودية» ومساوياً بين انتقادها و«معاداة السامية»، في الوقت الذي ينوّه بـ «ديمقراطية إسرائيل» رغم ما برهنته حكوماتها من تمييز بين الأديان، وما سنّته من قوانين عنصرية ضد مواطنيها الفلسطينيين.

كان «التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست» اعتمد منذ 2016 تعريفاً يعتبر انتقاد إسرائيل «معاداة للسامية»، ومورست ضغوط على الحكومات الغربية لإدراج هذا التعريف في قوانينها، ما يعني عملياً منع مناقشة السياسات الإسرائيلية، وبالتالي «تقييد حرية التعبير في فترة تشهد تصاعدًا للسلطوية والعنصرية في العالم، كما جاء في بيان مشترك لأربعين منظمة يهودية عارضت هذا التعريف.

وفقاً للعقلية السياسية كما يمثلها «تحالف الهولوكوست»، وكما يطبّقها ترمب، يصبح أمراً طبيعياً حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه، ومن النضال من أجل حريّته، ومن مطالبة المجتمع الدولي بتمكينه من تقرير مصيره، بل أيضاً حرمانه من السعي إلى إنهاء الاحتلال.

في خطوة تالية قد يُستخدَم هذا «التعريف» لمواجهة الأمم المتحدة نفسها بأن قراراتها «معادية للساميّة» طالما أنها، مثلاً، لا تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أو تواصل اعتبار المستوطنات انتهاكاً للقوانين الدولية.

كان ترمب قال في تبرير قراره إن الجامعات «تتاجر بالكراهية المعادية للسامية»، لكن عداءه السافر للشعب الفلسطيني فاق كل متاجرة بالكراهية، فلا أحد يجهل أنه يقدّم «الهديّة» تلو الأخرى لإسرائيل آملاً بالحصول على أصوات اليهود.

رغم أن «تحالف الهولوكوست» استهدف خصوصاً الدفاع عن اليهود ضد الأفكار والصور النمطية السائدة عنهم في المجتمعات، إلا أن ربطه بينهم وبين إسرائيل أوقعه في مراوغة غريبة:

فمن جهة يرفض في تعريفه لـ «معاداة السامية» أي إنكارٍ لحقّ اليهود في تقرير مصيرهم ويعتبر إسرائيل تجسيداً لهذ الحق، ومن جهة أخرى يستنكر أن يحمّل اليهود جماعياً مسؤولية «ممارسات» إسرائيل (البند 12 من الأمثلة التي أوردها على «معاداة السامية»).

وبذلك يُراد تجريم مَن ينتقد إسرائيل، باعتبارها «دولة اليهود» وكذلك تبرئة اليهود من جرائم إسرائيل، رغم تأييدهم لها، وسكوتهم عنها. وهذا ما يريد ترمب للدارسين والباحثين في أميركا أن يبلعوه، متناسياً أن الجامعات الأميركية كانت ولا تزال الرائدة عالمياً في حرية التفكير والتعبير.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب وصحفي لبناني

المصدر | العرب القطرية