الخميس 19 ديسمبر 2019 05:29 ص

عن «سُعار» ساعر

ضمن اليمين الإسرائيلي انحياز إدارة ترامب إلى صفوف جنرالاته وحاخاماته.

«صفقة القرن» تجهز على أركان المشروع الوطني الفلسطيني الثلاثة: العودة، الدولة، العاصمة.

«صفقة القرن» ليست نهاية مطاف الهجوم اليميني الثنائي المنسق على حقوق الفلسطينيين.

«عملية استلام وتسليم»، بكل محطة منها يتولى جيل من قادة الصهاينة قضم وابتلاع أرض وحقوق فلسطين.

لغايات حفظ أمن إسرائيل واستقرارها وتفوقها العرقي و«يهوديتها»، لا بد من التصرف بفائض الديموغرافيا الفلسطينية.

ساعر يرفض «وهم حل الدولتين» ويدعو لحكم ذاتي للفلسطينيين مرتبط بالأردن فلا مكان لدولة ثانية بين النهر والبحر ولا «حق» لغير اليهود في تقرير المصير.

*     *     *

جدعون ساعر، منافس نتنياهو الرئيس على زعامة «الليكود»، يُبشر من الآن بما يمكن وصفه «صفقة القرن2»، وسبق أن تناولناها بمقالات سابقة، وحذرنا من مخاطرها الشديدة، ليس على الفلسطينيين حينها، لكن على الأردن على وجه الخصوص.

ساعر في معرض عرضه لرؤيته لمستقبل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، يتحدث عن «وهم حل الدولتين» ويدعو لحكم ذاتي للفلسطينيين مرتبط بالأردن. فبين النهر والبحر، لا مكان لدولة ثانية، ولا «حق» لغير اليهود في تقرير المصير.

لكأننا أمام «عملية استلام وتسليم»، في كل محطة منها، يتولى جيل من القادة الصهاينة قضم وابتلاع قطعة من الأرض والحقوق الفلسطينيين.

جيل «الآباء المؤسسين» من «العمال/الأشكيناز»، ثبّت وجود الدولة على أزيد من ثلاثة أربع مساحة فلسطين التاريخية، قبل أن يستكمل احتلالها كلها في العام 1967.

اليمين الإسرائيلي، وتحديداً في السنوات الثلاث الأخيرة، ينجح في ضمان انحياز إدارة ترامب إلى صفوف جنرالاته وحاخاماته. نتنياهو الذي قبل لفظياً بـ«حل الدولتين» في خطاب «بار إيلان»، لم يبق وسيلة إلا ولجأ إليها لتحطيم كل فرصة لقيام كيان فلسطيني مستقل، وقابل للحياة.

«صفقة القرن» التي يجري اليوم التداول في نسخة مسربة عنها (كما يُشاع)، تجهز على أركان المشروع الوطني الفلسطيني الثلاثة: العودة، الدولة والعاصمة.

فتبقيهم مزقاً وسكاناً تحت إدارة ذاتية محدودة، لكانتونات معزولة، لا تمتلك مقومات الحياة، ولا رغبة لإسرائيل بضمها وإلحاقها بملايينها الخمسة الموزعين على بعض الضفة والقطاع.

سيُسجل تاريخ الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، أن لنتنياهو «فضلاً كبيراً» في النجاحات التي سجلها هذا المشروع الإحلالي، وإشاعة الإحساس لدى الإسرائيليين بأنهم خرجوا من حرب المائة عام مع الفلسطينيين، بنصر مبين، يستطيعون معه، فرض رؤيتهم وروايتهم على الطرف المهزوم، وهذا ما تسعى إسرائيل في عمله وتكريسه على أية حال.

لكن «صفقة القرن» بهذا المعنى، لا تبدو نهاية مطاف الهجوم اليميني الثنائي المنسق على حقوق الفلسطينيين . فلغايات حفظ أمن إسرائيل واستقرارها وتفوقها العرقي و«يهوديتها»، لا بد من التصرف بفائض الديموغرافيا الفلسطينية.

هنا، وهنا بالذات، تشتد الحاجة لإنتاج «صفقة القرن 2» لاستكمال ما ستكون الصفقة في طبعتها الأولى، قد أنجزته... ربما تكون هذه مهمة ساعر على رأس الليكود (وربما الحكومة)، وبدعم من ترامب في ولايته الثانية إن قُدّر له الفوز في انتخاباتها.

«سُعار» ساعر، لا يقف عند حد، فهو يرى وجوب ارتباط سلطة الحكم الذاتي المحدود، على بقايا الضفة وكانتوناتها بالأردن. ولا بد لهذه السلطة والأردن أن يدورا معاً في فلك اقتصادي ومحيط أمني واحد، مركزه إسرائيل.

ساعر لا ينشغل بالتسميات، فليس مهمًا أن تأخذ العلاقة بين السلطة والأردن شكلا فيدراليا أو كونفدراليا أو أية صيغة من صيغ «الخيار الأردني». وليس مهماً أن يأخذ المثلث الأردني-الفلسطيني- الإسرائيلي، شكل «بينيلوكس» جديد على الضفة الشرقية للمتوسط، بين البحر والنفط.

عاد نتنياهو إلى زعامة الليكود والحكومة، أم جاء ساعر أو حتى غانتس. هذه هي الوجهة التي ستسلكها إسرائيل في المرحلة المقبلة بتباينات قليلة في التكتيك والإخراج والوتيرة، وبدعم أمريكي مطلق، تحفزه مناخات الشتات الفلسطيني والهوان العربي.

الفلسطينيون سجّلوا خسارات كبيرة في السنوات الأخيرة، ومشروعهم الوطني تلقى أفدح الضربات وأخطرها، من أعدائه وخصومه و«ذوي القربى» ومن الفلسطينيين المنقسمين على أنفسهم كذلك..

* عريب الرنتاوي كاتب صحفي أردني

المصدر | الدستور الأردنية