الاثنين 23 ديسمبر 2019 08:49 ص

"وطن" الفلسطيني

ما تكاد تنبت للفلسطيني جذور في تربة مكان إقامته حتى يجد نفسه محمولاً على الانفصال عنها ثانية.

وطن الفلسطيني فلسطين، ولكن دون الفلسطينيين في المهاجر والشتات وفلسطين برازخ.

«المهاجر في الهجرة لا يهاجر، أي لا يقتلع» من اقتلع من وطنه تتساوى عنده الأمكنة فلا شيء يعوض فقدان الوطن.

*     *     *

ما أكثر ما التقيت بأصدقاء فلسطينيين عاشوا في أكثر من بلد عربي، وربما غير عربي أيضاً، في فترات مختلفة من حياتهم. وبينهم من التقيته في أكثر من مكان حملتني الظروف إليه في مراحل من الحياة، كأن نكون التقينا في سنوات الشباب في بيروت أو دمشق، وشاءت الأقدار أن نلتقي ثانية في الإمارات أو البحرين وقد مرّ بنا العمر.

كانت الأقدار تأخذهم من مكان إلى آخر، حين يتعذر عليهم لأسباب مختلفة، قسرية في غالبها، المكوث في المكان نفسه، حتى لو كانوا قد ألفوه، وأنشأوا فيه لأنفسهم حياة.

في أي محنة يمر بها بلد عربي على أراضيه فلسطينيون يكون هؤلاء في مقدمة المعرضين للرحيل، أو الترحيل عنه. كان نشوب خلاف بين نظام الحكم في بلد ما وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية سبباً كافياً لإجلاء الفلسطينيين من ذلك البلد، في نوع من العقاب أو التدبير الاحترازي الذي لا مبرر حقيقياً له.

ما هو وطن الفلسطيني؟ البداهة تقول: فلسطين، ولكن دون الفلسطينيين في المهاجر والشتات وفلسطين برازخ. لم يبق من دفعات النازحين الأُول من فلسطين في نكبة 1948 إلا القليل.

لقد خطفهم الموت في بلدان اللجوء بعد أن تقدّم بهم العمر، فالحديث يدور اليوم عن أبنائهم وأحفادهم الذين ولدوا خارج فلسطين ولم يقدّر لهم أن يخطوا بأرجلهم على ترابها ولو مرة واحدة، ووجدوا أنفسهم في بلدان سرعان ما تضيق بهم. تتعدد الأسباب والذرائع لكن النتيجة واحدة. في لحظة من اللحظات على الفلسطيني أن يبحث له عن «ملجأ» آخر.

حين قصد محمود درويش باريس للإقامة فيها بعد أن اضطر لمغادرة بيروت حين أخرج منها المقاتلون الفلسطينيون قسراً وارتكبت مجزرة صبرا وشاتيلا، سأله شربل داغر عما إذا كانت تلك هجرة رابعة بعد موسكو والقاهرة وبيروت، وهي المحطات التي قصدها الشاعر بعد مغادرته فلسطين.

قال درويش: «المهاجر في الهجرة لا يهاجر، أي لا يقتلع». ربما قصد الشاعر أن من اقتلع من وطنه الحقيقي أول مرة تتساوى عنده الأمكنة، فلا شيء يعوض فقدان الوطن، حتى لو أصبح عصياً، وربما مستحيلاً.

 نرجح هذا التفسير لأن محمود قال إنه طالما كرر: «من خرج من مدينة حيفا لا تكون له مدينة أخرى، أو يصبح عصياً على الاستيطان».

ما كان متعيناً إضافته هنا كنوع من الشرح، هو أنه ما تكاد تنبت للفلسطيني جذور في تربة مكان إقامته، حتى يجد نفسه محمولاً على الانفصال عنها ثانية.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة