الاثنين 23 ديسمبر 2019 09:08 ص

اللغة والانتماء الوطني

اللغة حاضنة المعرفة وبانيتها لذا جاء التأكيد على تعلم اللغة الأم في جميع أنحاء العالم.

اللغة الأم تعكس شخصية الإنسان وثقافته ومعارفه وأسلوبه ومن ثم ستكشف هويته.

من يقرأ ويتحدث بلغة أجنبية سيفكر لا محالة بتلك اللغة وهنا تأثير كبير في انسجام المجتمع وترابط الأسرة فاللغة وعاء التفكير السلوك والقيم والمفاهيم.

اللغة عنصرً رئيسي من عناصر الهوية يجب المحافظة عليها وتنميتها كحامل للعادات والتقاليد والأفكار والأمثال والأحاديث وأساليب المخاطبة.

*     *     *

مفردة اللغة شأنها شأن مفردة الثقافة أو الحضارة، لها تعريفات كثيرة، لكنها ليست متشعبة وغير متناقضة، لأنها تجتمع على محاور قليلة جداً، فاللغة وظيفتها التعبير عن أغراض حياتنا، كما قال ابن جنّي، وهي الاتصال بالآخر والتواصل به.

والثقافة هي مجموع المعارف التي يتحصل عليها الإنسان في مسيرة تعليمه وقراءاته وتأملاته لارتباطها بالفكر، أما الحضارة، فيربطها البعض بالفنون والبعض الآخر يمنحها معنى الثقافة، استناداً إلى أنه لا يوجد شعب متحضّر من دون ثقافة عالية، ومن ثم لا توجد حضارة من دون فكر وأدب وعلم.

واللغة أداة تفكير فريدة، جوفها يتسع لحياة الإنسان، فالإنسان حين يفكّر فإنه يفعل ذلك عبر منظومة لغوية تستند إلى مخزون من المفردات، وحين يتحدث تبرز معرفته وثقافته وحصيلته اللغوية، وبذلك تكشف إن كان شخصاً قارئاً أم جاهلاً بناء على علامات كثيرة.

فالمتحدث الذي يواصل حديثه من دون تأتأة أو مساحات زمنية بين الكلمات هو إنسان قارئ، ولديه مخزون كبير من المفردات، وهذه العلامة تشترط الكلام المليء بالمعاني، وليس مجرد الثرثرة.

لهذا فإن اللغة هي حاضنة المعرفة وبانيتها، ومن هنا جاء التأكيد على تعلم اللغة الأم في جميع أنحاء العالم، لأن اللغة الأم هي التي ستعكس شخصية الإنسان وثقافته ومعارفه وأسلوبه، ومن ثم ستكشف هويته.

ولهذا كانت اللغة عنصراً رئيسياً من عناصر الهوية يجب المحافظة عليها وتطويرها وتنميتها، فهي الحامل للعادات والتقاليد والأفكار والأمثال والأحاديث وأساليب المخاطبة.

وتكريماً للغة العربية احتفل العالم في الثامن عشر من الشهر الحالي باليوم العالمي للغة العربية، عبر إطلاق برامج توعوية وتعليمية، ومن بين هذه الدول الإمارات العربية المتحدة التي أطلقت منصة «مدرسة»، وغذتها بالمحتوى التعليمي الخطي والسمعي والمرئي، إضافة إلى برامج أخرى.

لكن هذه المبادرة العظيمة لا يمكنها أن تحل محل المناهج التعليمية، ولا سيّما في المدارس الخاصة، وهي أحوج ما تكون إلى هذه المنصة وإلى التركيز الأكثر على اللغة العربية، لأنه في معظم الأحيان تخصص العديد من المدارس الخاصة حصة واحدة للغة العربية، وأخرى للدين في الأسبوع.

ولا تُعطى الرعاية المطلوبة، بينما يتم تدريس المواد الأخرى بلغات أجنبية، إما الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما. فيصبح اهتمام التلميذ تلقائياً منصباً على ثقافة اللغة الأجنبية، وتكون قراءاته في الكتب الأجنبية، وحواراته مع زملائه باللغة الأجنبية.

ولعلنا نستمع إلى حوارات الأطفال والشباب الصغار وهم يتحدثون باللغة الأجنبية في مراكز التسوق أو الترفيه، أي خارج أسوار المدارس. وهنا تنشأ مشكلة حقيقية، إذ يقل التواصل بين الأهل والأبناء لاختلاف اللغة، بل وطرق التفكير والمفاهيم.

وتلقائياً، يتحول المتحدث باللغة إلى كائن يشبه أهلها الأصليين، ليس شكلاً، وإنما مضموناً، فمن يقرأ ويتحدث بلغة أجنبية سيفكر لا محالة بتلك اللغة، وهنا يكمن التأثير الكبير في الانسجام المجتمعي والترابط الأسري، فاللغة تحمل طرق تفكير تنعكس على السلوك والقيم والمفاهيم.

إننا ونحن نحتفي باليوم العالمي للغة العربية، يجب أن نفكر أولاً باليوم العربي للغة العربية، وهذا يستحضر إلى الأذهان الاتفاقيات التي وقعها وزراء التعليم العرب، والاستراتيجيات التعليمية التي أطلقوها إعلامياً، وظلت حبيسة الأدراج.

كما يجب أن نفكر بالمجتمعات الطلابية في المدارس التي تعلّم باللغة الأجنبية، ونقترح تكثيف دروس اللغة العربية وزيادتها، ونشجع الطلاب على التحدث باللغة العربية وليس الأجنبية.

إن التلاميذ الذين يدرسون باللغة الأجنبية تتحول لديهم دول تلك اللغة إلى نماذج ومثل عليا، ولا سيما أن الناطقين باللغة العربية ينتمون إلى دول متشرذمة لا تنسيق بينها، بل أحياناً هناك عداوات، وهنا يتوق الطالب إلى الانتماء لتلك الدول القوية المتحدة.

ولهذا على الدارسين والباحثين أن يجدوا مخرجاً لهذا المأزق الكبير، الذي يهدد الانتماء ويزعزعه، فهل هناك طرائق للتغلب على الانقسامات السياسية بين الدول العربية، وتجاوزها من أجل تعزيز اللغة العربية في أنحاء الوطن العربي بأكمله، وإنقاذ الهوية الوطنية من الانهيا؟ سؤال برسم المعنيين، ونحن منهم.

* د. عبد الله السويجي أكاديمي من الشارقة مختص بالإدارة والموارد البشرية.

المصدر | الخليج - الشارقة