جولة أخرى من المواجهة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإيران تنتهي بمقتل الجنرال "قاسم سليماني"؛ وبذلك توجه الولايات المتحدة صفعة لهيبة النظام الإيراني وبخاصة وأن "سليماني" يجسد روح التحدي الإيرانية للهيمنة الأمريكية، ويمثل أيضا رأس حربة في المشروع الإقليمي لإيران.

الإدارة الأمريكية تريد أن تستعيد قوة الردع وتعيد التأكيد على الخط الأحمر الأهم في المواجهة مع إيران، ومن هنا نفهم أن قتل أي أمريكي هو أمر لن يمر من دون رد صارم حتى لو تطلب الأمر استهداف رموز النظام الإيراني.

فالتصريحات التي تأتي من واشنطن تعكس فهما مختلفا عما تقوله إيران، فـ"سليماني" هو من نظّم الزحف على سفارة الولايات المتحدة في العراق، وعليه استنتجت الولايات المتحدة أنه كان يخطط أيضا لاستهداف الجنود الأمريكيين في العراق وهو أمر لا يمكن للرئيس "دونالد ترامب" أن يتعايش معه.

لكن في الوقت ذاته لا يمكن اعتبار الضربة الأمريكية كأي ضربة سابق؛ فالنظام الإيراني يشعر بإهانة شديدة وعليه الآن أن يرتقي لمستوى التصريحات التي كان يطلقها ضد الولايات المتحدة، وعليه لا يمكن للنظام الإيراني مهما كان متعقلا ألا يرد على هذه الإهانة التي جاءت في توقيت حساس بالنسبة لإيران.

فالولايات المتحدة بهذا المعنى لم تعد تكتفي بممارسة سياسة الضغط الأقصى عن طريق العقوبات وإنما استهداف إيران مباشرة. النظام الإيراني بات يشعر كمن يقاتل متكئا على كعب قدميه، لكن في الوقت ذاته لا يمكن له أن يأتي برد دون الأخذ بالحسبان أنه ربما يستلزم رداً أمريكيا آخ؛ ما يعني سلسلة من سوء التقديرات المتبادلة وبالتالي الانزلاق إلى حرب لا يرغب بها أحد.

ما من شك أن التصعيد العسكري هو خطر؛ فلا إيران بحاجة له وبخاصة وأنها تعاني من حصار وعقوبات حرمت النظام الإيراني مما يقارب من مئة مليار دولار سنويا، ولا الولايات المتحدة بحاجة إلى حرب إضافية في الشرق الأوسط وبخاصة أن الحرب هي آخر ما يحتاجه الرئيس "ترامب" في موسم الانتخابات الرئاسية بعد أن قام مجلس النواب باتخاذ إجراءات قد تمهد لعزله.

طبعا مقتل "سليماني" يجسد محطة مفصلية في العلاقات بين طهران وواشنطن، لكن بتقديري فإن إيران أصبحت في ورطة كبيرة، فللمرة الأولى يتعين على طهران –بدلا من وكلائها– توجيه ضربة عسكرية بهدف قتل أمريكيين.

وأي عمل أقل من ذلك سيعكس خوفا وترددا إيرانيا استمرت طهران كثيرا في اثبات عكسه وإن كان لفظيا. لكن إذا ما قامت إيران بعمل كهذا فإنها ستحرج الرئيس "ترامب" الذي سيفضي إلى رد أمريكي أكثر ضراوة، فأمريكا أسست لحالة من الردع تتضمن ضرورة أن يكون الرد قاسيا ومؤلما.

صحيح أن الجنرال "سليماني" هو مسؤول عن مقتل المئات بل آلاف من العراقيين والسوريين، وهناك من يرى بأن نظام "بشار الأسد" ما كان سيصمد أمام الثورة السورية لولا مساهمة "سليماني" واستهداف السوريين، لكن قد يفتح اغتيال "سليماني" صفحة جديدة عنوانها المواجهة المفتوحة وما يمكن أن تتطور إليه الأمور.

الجانب الأمريكي يتحدث عن إيجابية هذه الخطوة لأنها ستردع إيران في قادم الأيام؛ فإيران بهذا المعنى وإن كانت تمتلك إمكانات عسكرية معقولة إلا أنها ليست كافية لأن تخوض مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة التي يميل ميزان القوى لصالحها بشكل فادح.

من المبكر التوقف عند طبيعة الرد الإيراني، ولا عن مكان الرد ولا حتى شكله، وبتقديري فإن شكل هذا الرد سيرسم ملامح المواجهة في الأشهر القادمة.

** د. حسن البراري أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأردنية

المصدر | الغد الأردنية