الثلاثاء 7 يناير 2020 10:07 ص

مقتل سليماني شرارة الحرب التي لا يريدها أحد

الطرفان لا يريدان مواجهة مباشرة طويلة وإنما انتصاراً معنوياً

الجانبان يواجهان أزمة داخلية ويترقبان انتخابات قادمة هذا العام

ترامب أقدم على اغتيال سليماني دون خطة واضحة لما بعد ذلك

جهود الوساطة خصوصاً القطرية سيكون لها دور في نزع فتيل الأزمة

المنطقة في مأزق يصعب الخروج منه بسهولة

*     *     *

بثيابهم المتشحة بالسواد استقبل آلاف المشيعين الإيرانيين ما تبقى من جسد الجنرال قاسم سليماني قائد قوات النخبة وفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني العائد من العراق بعد اغتياله المفاجئ من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

وبينما يشق جثمان سليماني طريقه إلى مرقده الأخير في مشهد يحبس العالم أنفاسه منتظراً الرد الإيراني والذي وعد مختلف القادة الإيرانيين أنه سيكون مساوياً في الشدة معاكساً في الاتجاه، وبين الفعل ورد الفعل نقف جميعاً وننتظر.

كلا الطرفين يعلنها مدوية أنه لا يريد مواجهة مباشرة طويلة الأمد، وكلا الطرفين يريد انتصاراً معنوياً عنيفاً، وكلا الطرفين يواجه أزمة داخلية ويترقب انتخابات قادمة خلال هذا العام، المعضلة بدأت في هذه الجولة من التصعيد حين تخطت إيران الخط الأحمر الذي وضعه ترامب بمقتل متعهد أمريكي في الهجوم على قاعدة K1 في كركوك.

جاء الرد الأمريكي عبر قصف قواعد للحشد الشعبي وكتائب حزب الله العراقي، ولكن سوء التقدير الإيراني على ما يبدو كان في الاعتداء على السفارة وهو ما يرتبط في الذهنية الأمريكية وذهنية ترامب خاصة باختطاف الرهائن من السفارة إبان الثورة الإسلامية والأهم من ذلك الاعتداء على السفارة في بنغازي والذي وظفه ترامب ضد أوباما وهيلاري كلينتون وزيرة خارجيته آنذاك في هجومه عليهما وخاصة خلال حملته الانتخابية ضد هيلاري.

لذلك لم يكن الرد المتوازن خياراً بالنسبة له أمام هذه المشاهد حول سفارته في بغداد، وجاء اختيار سليماني فيما يبدو هدفاً مفاجئاً حتى لأعضاء إدارته ولكنه كان رداً عنيفاً وصارماً كما يريد ترامب لتحقيق مكاسب انتخابية، المشكلة هي حسب بعض المحيطين بترامب أن الرئيس أقدم على هذا الخيار دون خطة واضحة لما يليه.

العقدة الآن هي الوصول إلى رد إيراني يعطي فرصة للأمريكيين لعدم الرد عليه ولكنه يكون كافياً بحيث يحافظ النظام الإيراني على مظهره الخارجي والداخلي كنظام قوي متماسك قادر على الانتقام.

ولذلك اجتهد الجهاز الدبلوماسي الأمريكي في التواصل مع مختلف الأطراف بمن في ذلك الإيرانيون لإقناعهم بخفض مستوى الرد، من الناحية الإيرانية كان اليوم التالي للهجوم مليئاً بالتصريحات النارية والتهديدات الشاملة.

ولكن اليوم التالي شهد انتظاماً في التصريحات يؤكد على أن الرد سيكون قوياً ولكن "غير متهور" ويبقى المعنى هنا في بطن الشاعر.

الخيارات المتوفرة لطهران عديدة، إما استخدام صواريخها الباليستية في هجوم على قوات أمريكية في الخليج أو العراق أو أهداف إسرائيلية، أو تحريك الوكلاء في العراق أو غيرها لضرب مصالح أمريكية مباشرة في دولهم، أو تنفيذ اغتيال لشخصية أمريكية مهمة وهو الخيار الأصعب طبعاً.

وهناك خيارات أخرى ولكنها لا تحقق عنصر المكافأة مع الخطوة الأمريكية، وكما صرح خليفة قاسم سليماني فور توليه منصبه، لا بد أن تكون هناك جثث أمريكية، المشكلة هي أن أي استهداف مباشر لجنود أو مواطنين أمريكيين سيضطر ترامب إلى الرد بشكل أعنف وهنا يتحقق خطر الحرب المباشرة المستمرة بين الطرفين.

واشنطن وفي إطار محاولتها ثني طهران عن الرد بقوة هددت على لسان رئيسها بأن 52 هدفاً تم تحديدهم وفي إشارة إلى أنها أهداف إيرانية خالصة قال إن بعضها يحمل قيمة "ثقافية"، الإيرانيون يعلمون أنه لا يمكنهم تحمل ضربات من هذا النوع على المدى الطويل.

ولذلك لا شك أنهم يبحثون عن هدف بعيد من حيث الجغرافيا ومربك من حيث النوع بحيث لا يبرر هجوم أمريكي شامل، مرشح أن يتأخر الرد الإيراني لفترة في إطار ترتيب البيت الداخلي والوصول إلى هدف مناسب وستشهد هذه الفترة حربا كلامية وهجمات محدودة من وكلاء إيران كتلك التي استهدفت محيط السفارة وقاعدة تتواجد فيها القوات الأمريكية في اليوم التالي لاغتيال سليماني.

أمريكياً وبالإضافة لتصريحات ترامب النارية ستشهد هذه الفترة محاولة أمريكية لتفاوض غير مباشر مع الإيرانيين وحشد عسكري احترازي في المنطقة، وحيث إن إدارة ترامب نجحت خلال الأعوام الثلاثة الماضية في إضعاف معظم تحالفاتها الدولية لا تكاد تجد حليفاً يقف إلى جوارها في هذا الموقف.

الأوروبيون يعلنون بصراحة أنهم غير مؤيدين للخطوة وأنه لم تتم استشارتهم، وحتى الحلف السعودي الإماراتي وبعد الخذلان الذي تعرض له في موجة التصعيد السابقة لا يبدو متحمساً لمواجهة أمريكية إيرانية.

المنطقة في مأزق يصعب الخروج منه بسهولة ولكن الرهان على حاجة الطرفين إلى عدم الدخول في مواجهة طويلة الأمد، المعضلة هي الوصول إلى حل يمثل الحد الأدنى أو يقترب منه بالنسبة للطرفين.

وسيكون لجهود الوساطة المختلفة ومنها الوساطة القطرية الدور الأكبر في نزع فتيل الأزمة، مثل سليماني قائد الظل الميداني شخصية جدلية يتجسد من خلالها التناقض الإيراني بين خطاب الثورة ومقاومة الطغيان والمجازر المروعة ودعم الطغاة.

ويبدو أن هذا الجدل الذي عاش من خلاله سيستمر حوله بعد موته وحتى تتضح الرؤية حول مستقبل المنطقة في ظل التصعيد الخطير الذي تشهده.

* د. ماجد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة قطر.

المصدر | الشرق القطرية