آلة إنتاج القهر في مصر

يكفي الاطلاع على نماذج منتحرين بمعسكرات "التجنيد" ومجنّدين قتلوا غيلةً بأيدي الضباط والمأمورين.

تحتجز السجون المصرية نحو 60 ألف معتقل سياسي، يزيدون بأرقام عشوائية ومن دون مبرّرات واضحة.

تواتر أحداث قتل الأطفال على يد ذويهم في المنازل ليست إلا توابع إعمال القمع في المجال العام و"عسكرة" الدولة.

تفكيك العلاقة العضوية بين منظومة الجيش والرأسمالية بفضح ممارسات القمع التي تمولها أرباح "مشاريع الاستثمار العقاري" والعمالة المجانية من الشباب.

فضح متلازمة المواطن المعاقب (المجرم – الإرهابي – العميل – الملاحق أو المهدّد بالملاحقة والسجن - أو المسجون فعلاً) وتبرير الإعلام ممارسات القمع.

دعم المنصّات البديلة للكسب خارج منظومة القطاع الخاص واقتصاد العسكر كمشروعات الشباب التي دعمتها مبادرات دولية قبل 2011.

منصات حراك وحشد مجتمعي بديلة لا تضع الأفراد بمواجهةٍ غير عادلة أمام البطش وتخلق فرصًا للتعبير عن الذات وتكوين مشروع مجتمعي جديد.

*     *     *

انتشرت في القرن الماضي كتابات المفكر والباحث الفرنسي، ميشيل فوكو، عن آليات القوة الحيوية والضبطية التي أنشأتها إدارات الدول الحديثة للسيطرة على الأفراد ورقابتهم وتوقع تحركاتهم وأفكارهم... ربما لم يعلم فوكو حينها أن الصين ستنتج مئات الألوف من البرامج لأجهزة الهواتف الجوّالة التي تقوم بتلك المهمة، من دون كلفة من الوقت والجهد البشري، كما كان يتصوّر في نموذج الـ"بانويتيكون" panopticon. [سجن دائري به زنزانات مرتبة حول جدار مركزي بحيث يمكن مراقبة السجناء في جميع الأوقات. كان البانوبتيكون سجنًا نموذجيًا صممه الفيلسوف التوليتاري جيريمي بنتام].

ولكن النظام المصري لا يترك للأفراد الوقت، ولا القدرة على استعمال التكنولوجيا للتواصل السياسي وحشد الأفراد. إذ تحاصر الملايين من الشباب في سوق التعليم والعمل آليتان تتحكمان في الوقت والجسد والمستقبل على السواء، وهما التجنيد الإجباري وسوق العمل في المشروعات التابعة للهيئة الهندسية للقوات المسلحة.

مفاد الآلية الأولى استقطاع العمالة المجانية من الشباب، وإمداد المؤسسة العسكرية بكفاءات ومقدّرات بشرية وتقنية، تغذّي موارد المؤسسة العسكرية على الدوام، وتتيح إخضاع تلك الفئات، وترويضها للسخرة في بيئةٍ تتمركز فيها آليات العقاب والقهر.

وتستوي احتمالات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والتصفية خارج إطار القانون مع الوقوع مجندًا تحت يد لواء أو قيادة يصادف المرء، لسوء حظه وحظ أهله، أنها ساديّة، تستمتع بإكراهه على الخدمة الشخصية للضباط.

فيكفي الاطلاع على نماذج المنتحرين من داخل معسكرات "التجنيد"، والمجنّدين الذين قتلوا غيلةً بأيدي الضباط والمأمورين، والمصابين بعاهاتٍ مستديمةٍ جرّاء المعاملة القاسية، والمعرّضين للموت بالإهمال في نقاط التفتيش في المناطق الحدودية، سيما الكمائن ونقاط التفتيش في محافظة سيناء.

يكفي الاطّلاع على الشهادات الحية، ليتضح أن الانتحار والموت والقتل والإهمال والمعاملة القاسية في السجون، وفي التجنيد العسكري، هي أوجه للحقيقة نفسها. تحتجز السجون نحو 60 ألف معتقل سياسي، يزيدون بأرقام عشوائية ومن دون مبرّرات واضحة.

وتعتقل معسكرات التجنيد ما بين 10% و20% من الشباب، ما يعادل نصف مليون مجند، للعمل في تنظيف المراحيض ونقل الرمال وتسويتها، ودهان الجدران والسباكة والنجارة والزراعة والنقل والضيافة في المنازل ومشروعات الجيش.

ويأتي الاقتصاد العسكري، أو ما عرف بـ"إمبراطورية الضباط" التي توسعت إلى أكثر من 50% من الاقتصاد المصري، وتسيطر على كامل مجال الاستثمار العقاري من خلال الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، لتحجّم اختيارات الشباب في العمل والتوظيف والاستثمار والكسب.

ويشير الفنان السابق، محمد علي، إلى أحد أوجه الفساد الشائعة منذ العام 2013، حيث تضطر الشركات العقارية التي لا تتبع المؤسسة العسكرية للتنازل عن أرباحها، فضلاً عن ترهيبها لتمويل مشاريع وهمية تحت شعار "تحيا مصر"، لأن الإدارة الهندسية للقوات المسلحة، بحسب محمد علي، تستحوذ على كل المشروعات العقارية.

ومن جهة الشباب، لم يعمل خرّيج المعاهد أو الجامعات في مصانع الأغذية والألبان التابعة للمؤسسة العسكرية سيعمل في المخابز والمزارع والمشروعات التي يملكها الجيش أو يعمل فيها بالمقاولة، ما يعني أن حسابات "لقمة العيش" ستظل أوْلى من محاولة إعادة المؤسسة العسكرية إلى الثكنات وإعادة "تمدين" السياسة والاقتصاد المحلي.

لا تتوقف نتائج تلك الآليات على المجنّدين والشباب الباحثين عن العمل، فمنطق القمع يتسرّب إلى ثقافةٍ من الجبن والكذب والخسّة في تفريغ "الانتقام" وتواتر أحداث قتل الأطفال على يد ذويهم في المنازل ليست إلا توابع إعمال القمع في المجال العام و"عسكرة" الدولة، حتى أصبح كل مواطن خارج منظومة "العسكر" خصمًا لا بد من سحقه.

ولا تقتصر تلك التوابع على حالة مصر فقط، توضح دراسة مقارنة عن مؤشرات العنف لدى المجنّدين في بعض الدول الأفريقية أن العامل المشترك لإعادة إنتاج القمع هو "نزع الإنسانية عن الخصم وتحفيز العنف بالمكاسب المالية أو الجنسية أو المعنوية كوهم الانتصار والمكانة الاجتماعية"... هنا تبدو آليات الفكاك من تلك المتلازمة في خمسة توجهات:

إسماع أصوات المحتجزين داخل منظومة القمع، سواء في مساحات السجن أو التجنيد الإجباري، أو الأعمال الاقتصادية للجيش، وضرورة أن تتبنّى منصّات للنشر سرديات القمع الفردية التي تصدر من حين إلى آخر.

خاصة في صور خطابات إلى الأهل، يوميات المسجونين، استغاثات رفقاء السجون، مرثيات الشهداء القتلى في الكمائن سواء من المواطنين (على يد القوات العسكرية/ ضباط الأمن) أو من المجندين، بفعل الإهمال في تأمين الثكنات والانشغال بـ"البزنس".

وسرديات الأطفال المولودين في السجون والشباب الذين تقتل أعمارهم في خضم سعي السلطة الأهوج إلى إثبات الذات وتأكيد قوتها.

تفكيك العلاقة العضوية بين منظومة الجيش والرأسمالية بفضح ممارسات القمع التي تمولها أرباح "مشاريع الاستثمار العقاري" والعمالة المجانية من الشباب. فضح متلازمة المواطن المعاقب على الدوام (المجرم – الإرهابي – العميل - الملاحق أو المهدّد بكل ملاحقة وسجن - أو المسجون فعلاً)، وإبراز دور الإعلام المحلي في غرسها لتبرير ممارسات القمع.

السعي إلى دعم المنصّات البديلة للكسب خارج منظومة القطاع الخاص واقتصاد العسكر كمشروعات الشباب التي دعمتها مبادرات دولية ما قبل العام 2011.

وربما أخيرا، في هذا السياق، التوجّه إلى منصات بديلة للحراك والحشد المجتمعي، لا تضع الأفراد في مواجهةٍ غير عادلة أمام بطش السلطات، بينما تخلق فرصًا للتعبير عن الذات، وتكوين مشروع مجتمعي جديد.

* سناء البنا كاتبة مصرية باحثة في الاجتماع السياسي

المصدر | العربي الجديد