الجمعة 7 فبراير 2020 12:32 م

الهويات ليست ساكنة

ماذا سيحدث لو أن الفلسطينيين أداروا ظهرهم لمكونات هويتهم الوطنية المستهدفة.

الهوية القومية والثقافية ضرورة بل في حالات عديدة تصبح أداة مقاومة مشروعة وضرورية للتحديات الماثلة.

لكن يتعين علينا إدراك أن الهوية ليست ساكنة ففي سكونها تتجمع كل مبررات الردة إلى الخلف الذي رأينا أبشع صوره.

الهوية لا تنتفي بالوقت ولا تتبدد بمؤثرات الحداثة، سواء أكانت آتية من الغرب أو الشرق أو من ديناميات داخلية لتطورنا الحضاري.

*     *     *

لسنا الأمة الوحيدة التي واجهت جدل العلاقة بين الهوية والحداثة. فكلما هبت رياح التأثيرات الآتية من ثقافات أخرى على الثقافة الوطنية لقوم من الأقوام، نشأ النقاش حول حدود تلقي هذه التأثيرات، وعمّا إذا كانت ستؤدي إلى إثراء الثقافة الوطنية، أو إلغائها، لمصلحة ثقافة مصطنعة، أو مقحمة، لا تبقي شيئاً من مكونات الهوية، وإن أبقت فلا تبقي إلا القليل مما لا يعوّل عليه.

هذه المعضلة واجهتها اليابان، وروسيا، والصين، وحتى تركيا الأتاتوركية. في روسيا، مثلاً، نشأ سجال عاصف في القرن التاسع عشر حينما هبت عليها تأثيرات الثقافة الغربية، في مكونين أساسيين منها: الفرانكفونية والإنجلوسكسونية.

فقد نشط الحس القومي السلافي الذي حذّر دعاته من مخاطر هذه التأثيرات في الخصوصية القومية والروحية والأخلاقية لروسيا، في مواجهة دعاة فتح الأبواب على مصاريعها للآتي من الغرب، الذين رأوا أنه لكي تتقدم روسيا، علميا وتكنولوجياً، عليها التخلي عن انغلاقها على نفسها، وتحذو حذو هذا الغرب.

كما واجهت اليابان التحدي نفسه في فترة تحولها نحو النهضة. وكان هناك اتجاه متطرف في محافظته يدعو إلى نبذ كل ما هو آت من الغرب لدرجة أن بعض أصحابه رفضوا استخدام مصابيح الغاز باعتبارها ثقافة غربية، مفضلين الشموع، والسراج عليها، بل ورفضوا أكل الخبز والاكتفاء بأكل الأرز، واتجاه آخر مغال في ميله إلى التغريب دعا إلى التدريس باللغة الإنجليزية، لا اليابانية.

لكن اليابان بعد فترة من السجال والاضطراب وجدت طريقها الصحيح في التوازن المنشود، حيث أدى الانفتاح على العالم الخارجي إلى إثراء الأصالة القومية، لا إلى نفيها.

لم نحسم نحن العرب هذا السجال، وما زلنا نراوح في دائرته الرتيبة. خطوة إلى الأمام، وخطوتان إلى الوراء، أو العكس. إن الهوية القومية والثقافية ضرورية، بل إنها في العديد من الحالات تصبح أداة من أدوات المقاومة المشروعة والضرورية للتحديات الماثلة.

فكيف لنا أن نتخيّل ماذا سيحدث لو أن الفلسطينيين، مثلاً، أداروا ظهرهم لمكونات هويتهم الوطنية المستهدفة. ولكن أيضاً يتعين علينا إدراك أن الهوية ليست ساكنة، ففي سكونها تتجمع كل مبررات الردة إلى الخلف، الذي رأينا أبشع صوره في نماذج «داعش»، وكل من على شاكلتا.

الهوية لا تنتفي بمرور الوقت، ولا تتبدد بمؤثرات الحداثة، سواء أكانت آتية من الغرب، أم من الشرق، أم من الديناميات الداخلية لتطورنا الثقافي والحضاري.

بل تغتني بكل ذلك، وتتجدد، جامعة في بنيتها بين الأصالة والتحديث ما يجعلها راسخة الجذور، وشامخة التطلع نحو المستقبل.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة