السبت 8 فبراير 2020 02:45 م

بعد الكشف عن التفاصيل الكاملة للمخطط الأمريكي الإسرائيلي المعروف باسم "صفقة القرن"، لم يعد هناك حاجة إلى مزيد من التأخير من قبل مؤيدي (إسرائيل) في العالم العربي لقبول الاحتلال الكامل لفلسطين.

فأشياء مثل الاعتراف بالمستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، ودفن حق الفلسطينيين في العودة، وجعل غزة منزوعة السلاح، واختيار جزء مجهول من أحياء القدس الشرقية كعاصمة مستقبلية لدولة فلسطينية افتراضية، ومحاولة التأثير على السجناء الفلسطينيين بالوعظ حول التعايش مع الاحتلال، كلها أمور تسلط الضوء على طريقة الولايات المتحدة لحل عقود من انتهاكات القانون الدولي، والتي لا يمكن إلغاء تأثيرها إلا من خلال إنهاء الاحتلال.

رفض الشعب الفلسطيني الصفقة بالطبع. وكذلك الحال بالنسبة للفصائل السياسية الفلسطينية والسلطة الفلسطينية. وأصدرت الأمم المتحدة بيانا تؤكد فيه على نموذج حل الدولتين.

وكان التركيز على فلسطين مهمشا لصالح تسجيل الأهداف السياسية عبر جدول الأعمال الدبلوماسي. ومع ذلك، مهدت الأمم المتحدة الطريق لاحتلال (إسرائيل) لفلسطين طوال الوقت، وكذلك لـ"صفقة القرن"، من خلال تشجيع ثقافة الإفلات من العقاب على جرائم الحرب التي ارتكبتها (إسرائيل). ولا يمكن التغاضي عن الازدواجية التي تمارسها الأمم المتحدة في أعقاب صفقة "ترامب" الخبيثة.

ومع التأكيد على الالتزام بالتسوية بين الدولتين، خرجت أخبار تقول إن الدول الغربية والمنظمات الدولية "تحتاج إلى وقت لتقييم الخطة". ويتماشى هذا مع بيان ممثلة الشؤون الخارجية السابقة للاتحاد الأوروبي "فيديريكا موجيريني" في يونيو/حزيران 2019، التي أكدت أن الاتحاد الأوروبي سيعمل مع "ترامب" إذا تضمنت الصفقة المقترحة نموذج الدولتين.

وحتى الآن، تشير لغة المجتمع الدولي إلى رفض خطابي حذر، بينما تم ترك الباب مفتوحا على إمكانية النظر في صفقة "ترامب". وتعد فرنسا أحد الأمثلة على ذلك، حيث تصر على "حل الدولتين"، بينما ترحب بـ"جهود ترامب".

وجاء المنهج الأكثر صراحة تجاه الصفقة من الدول العربية التي تخلت عن فلسطين لفترة طويلة لصالح الصفقات الدبلوماسية والاقتصادية المربحة مع (إسرائيل). وعلى الرغم من أن مبادرة السلام العربية لعام 2002 اشترطت عدم حدوث تطبيع للعلاقات مع (إسرائيل) إلا بتنفيذ نموذج الدولتين، فقد تخلت الدول العربية إلى حد كبير عن هذا الشرط.

وفي عام 2019، أدرك رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" هذا التحول، ومارس الضغط على القادة العرب، ولا سيما قادة دول الخليج العربية، لمواءمة مصالحهم مع مصالح (إسرائيل). وكانت قمة "وارسو"، في فبراير/شباط 2019، أحد الأمثلة التي جرى فيها التخلي لنضال الفلسطيني ضد الاحتلال، في مقابل تأييد التجمع وراء (إسرائيل) لمواجهة التهديد الإيراني المزعوم.

وظهر هذا التخلي التدريجي عن فلسطين والفلسطينيين خلال كشف النقاب عن الإطار الأمريكي الإسرائيلي للصفقة؛ حيث أرسلت البحرين وعمان والإمارات سفراءها لهذه المناسبة؛ وجاء في الإعلان: "أن الخطة التي تم الإعلان عنها اليوم توفر نقطة انطلاق مهمة للعودة إلى المفاوضات ضمن إطار دولي تقوده الولايات المتحدة".

كما أعربت مصر عن دعمها الحذر للخطة، مشيرة إلى أن الإسرائيليين والفلسطينيين "يدرسون بعناية" مقترحات "ترامب". وبالمثل، أعلنت المملكة العربية السعودية أنها "تقدر الجهود التي بذلتها إدارة الرئيس ترامب لوضع خطة سلام شاملة".

من جهتها، أظهرت كل من اليمن وإيران وتركيا أقوى كلمات الإدانة للخطة التي تقدم إطارا احتلاليا في ثوب الحل. وقد شجب "حزب الله" اللبناني الخطة، قائلا إنها لن تؤتي ثمارها إلا بـ"تواطؤ وخيانة" الدول العربية.

وكان مسؤولو السلطة الفلسطينية قد حثوا القادة العرب على مقاطعة حدث الإعلان عن تفاصيل الصفقة. ومع ذلك، لا تحظى السلطة الفلسطينية نفسها بالاحترام أو الاهتمام فيما يتعلق بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني. ويعتمد وجود ووظيفة السلطة الفلسطينية على مساعدات المانحين والتعاون مع (إسرائيل)؛ وبالتالي، لا يمكنها إلا أن تمارس نفوذا سياسيا محدودا.

بالإضافة إلى ذلك، بدد مسؤولو السلطة الفلسطينية الفرص في الماضي للبقاء صامدين في المطالبة بالحق في الأرض وحق العودة. ومن الصعب ألا نتذكر كيف كشفت الصحف الفلسطينية أن كبير مفاوضي السلطة الفلسطينية "صائب عريقات" قد عرض على (إسرائيل) "أكبر جزء من القدس في التاريخ"، إلى جانب الإقرار بعودة رمزية للاجئين ودولة منزوعة السلاح.

ولم يفشل المجتمع الدولي في تحقيق حل الدولتين فقط؛ بل إنه أوجد الفرصة لتحول إطار الدولتين الأصلي إلى المسخ الذي ظهر في صفقة "ترامب". وكان هذا ممكنا فقط بسبب رضا الأمم المتحدة عن الاحتلال الإسرائيلي.

وساهم حل الدولتين في تمكين المماطلة الإسرائيلية، من تحقيق التوسع الاستيطاني المستمر، إلى أن عفا عليه الزمن وأصبح مجرد تاريخ للدبلوماسيين الذين عززوا ذلك الإطار، ولا سيما اللجنة الرباعية للشرق الأوسط، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا.

وكذلك لم تظهر الأمم المتحدة أي التزام فيما يتعلق بحق العودة الفلسطيني. وبدلا من ذلك، وضعت المنظمة الدولية خطة لإبقاء الفلسطينيين خاضعين للمساعدات الإنسانية. وتم تكليف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" بتقديم المساعدة الإنسانية، ومع ذلك، لم يتم تطبيق النهج السياسي لمساعدة الفلسطينيين على العودة وتحقيق تقرير المصير من قبل المجتمع الدولي.

ومن خلال الإطار الأمريكي المقترح، تستطيع (إسرائيل) تسريع العملية. ولن تواجه الإشارات الغامضة إلى الدولة الفلسطينية معارضة تذكر من المجتمع الدولي. وإذا اعترض المجتمع الدولي، يمكن لـ(إسرائيل) والولايات المتحدة الاعتماد على الطبيعة البالية لإطار الدولتين.

وستحاول الأمم المتحدة الحفاظ على نفوذها على التطورات دون التأكيد على أهمية تحرير الفلسطينيين. وبالتالي، سوف يقع الطريق الدبلوماسي في النهاية بين الصمت الضمني من الأمم المتحدة عندما تبدأ (إسرائيل) في تنفيذ الصفقة من جانب واحد، والمحاولة التدريجية للأمم المتحدة للوصول إلى حل وسط آخر موازي يتيح لها التظاهر بحماية حقوق الإنسان.

وتهدف الولايات المتحدة و(إسرائيل) إلى تغييب فلسطين عن العملية السياسية التي تحدد مصيرها. وتصاحب خطة "ترامب" حاليا ضجة مضللة تتجاهل العملية المطولة التي أدت إلى هذه المأساة الصارخة. وقد تحدثت وسائل الإعلام عن احتجاج الفلسطينيين وغضبهم من الصفقة، ولكن لم يتم التعبير كثيرا عن أهمية جعل المطالب الفلسطينية مسموعة.

إن التحالف الأمريكي الإسرائيلي خطير بالفعل. لكن الخطر الأكبر الذي تراكم مع الوقت، هو الدور الذي يضطلع به المجتمع الدولي لسرقة حلم فلسطين من الفلسطينيين أنفسهم، وجعل مصيرهم مرتبط فقط بجدول أعمال (إسرائيل).

المصدر | رامونا وادي - إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد