الأربعاء 4 مارس 2020 01:51 م

الأردن… و«فيروس» التخويف من «الإصلاح»

ليس اقل من تحصين المؤسسات العميقة وانتخابات نزيهة وحكومة قوية صلبة صاحبة ولاية.. فهل من مجيب!

ليس أقل من إبعاد المؤسسة الملكية عن تفاصيل تنشغل بها حكومات وبرلمانات فهي مؤسسة أغلى على الأردنيين أحيانا من أرواحهم.

من يطلقون التحذير اليوم هم مواطنون يشكلون الأغلبية ورجال دولة ومثقفون وطبقة عريضة من البيروقراطيين الأوفياء يتطلعون لتدشين مواجهة جذرية إصلاحية.

*     *     *

لا يمكنك في الحالة الداخلية الأردنية وقبل أشهر من الاستحقاق الانتخابي وبمرحلة حساسة جدا فيها ما يكفي من التعقيدات إعداد أي طبق وطني بمكونات بدائية أو مستهلكة أو جربت عشرات المرات ولا معنى لها وخالية من أي نكهات وطنية عميقة.

تحدث الأردنيون طول سنوات في الشارع والدولة وآلاف المرات عن الوصفات الاصلاحية. وطوال الوقت لم تتجرأ مراكز القرار بتجريب وصفة إصلاح حقيقي واحدة فقط فيما التنظير يملأ المكان ويعشش كالفيروس المستقر والمزمن لصالح كل الوصفات المعاكسة للإصلاح الحقيقي والتي تسعى دوما لتكريس الأمر الواقع فقط وتحترف تخويف الناس والسلطة من حكم المؤسسات ومن إدارة الأردنيين لشؤونهم وفقا لمعادلة دستورية عميقة وحاسمة.

بكل حال الأطباق ثلاثة أصناف منها ما يخصص للأكل ومنها ما يعرض على الطاولة فقط ومنها ما لا يؤكل ولا يعرض وله وظيفة لا أحد يفهمها حتى اللحظة.

الخلطات والوصفات التي نسمعها في أروقة النخب والقرار والوسط السياسي هذه الأيام من الصنف الثالث، حيث لا لون ولا رائحة ولا طبق يمكن أن يلتهم أي جزء منه وحيث لا مضمون ولا حتى ديكور.. مجرد كلام هائم يخيف الجميع من التغيير والإصلاح ويحاول اقناعهم بان المصلحة العميقة للبلاد والعباد تتطلب البقاء في الأمر الواقع فقط الحالي وهو واقع محزن ومؤسف بالإجماع الوطني.

ارتفعت وتيرة التهويمات والمبالغات والتحذيرات مباشرة بعدما حسم الملك الجدل حول استحقاق الانتخابات الدستوري. فائض من التحذير والتفليم على المائدة اليوم فيما تتحضر البلاد لانتخابات عامة يفترض أن تؤسس لتقاطع المصالح الوطنية.

وفائض من البائسين يتصدرون المشهد واستمرار ملموس ومشهود لكل الوصفات القديمة التي تؤشر على دعم وتسمين وتغذية التحالفات بين برلمانيين من الصنف البائس ومرشحين أكثر بؤسا وبين إعلام رديء.

إعلاء جماعي من قيمة الرداءة في تلك الخلطات التي نتج عنها مراكز قوى ومجموعات نفوذ صغيرة وشلل تورمت كالسرطان في الجسد الوطني وتحتكر كل شيء تقريبا بما في ذلك سطوة النفوذ واحتمالات الاستقواء حتى على الدولة لاحقا.

كل ذلك يحصل للأسف ويستمر بالحصول لأن بعض المرتجفين من المسؤولين يصرون على معادلة تقول بأن كلفة الاصلاح الحقيقي على الدولة والنظام والبلاد أكبر من كلفة عكس الإصلاح.

وكل ذلك يحصل لأن القوى والشلل والمجموعات الانتهازية تستميت اليوم للحفاظ على ما تسميه بالحقوق المكتسبة في الواقع، حيث رداءة في الأداء والتوظيف ورداءة في الاقتناص والتوجيه وبالتالي تهميش حتمي لكل تلك القيم النبيلة التي تمأسست عليها تجربة الدولة الأردنية بما في ذلك المهنية والأداء البيروقراطي النظيف ووجود نخبة تكنوقراطية خبيرة تلهب الحماس وتساهم في تحصين المهنية. على ذلك أن يتوقف وفورا وبدون مقدمات.

وعلى مركز القرار أن يحرق فورا كل تلك الأوراق البائسة التي تخيفه من الإصلاح الجذري والعميق أو تحترف تخويف الجميع وتمتهن الإحباط والإعاقة بذرائع لا معنى لها من طراز الخوف من الوطن البديل أو من الإخوان المسلمين.

أو من طراز تلك المرتبطة بالصراع مع العدو الإسرائيلي الذي ثبت اليوم وبالبرهان القاطع بأنه عدو ليس للشعب الفلسطيني فقط بل للأردني وللدولة الأردنية وللسلام وللاستقرار. على تلك الوصفات كما قلنا أن توضع في المتحف.

وكما خضعت للتسمين والتغذية طوال عقود في الماضي على من ساهم في ذلك التسمين البشع من مؤسسات القرار ورجال الدولة أن يندفع لتوفير الحماية لعملية إصلاح منهجية حقيقية.

من قدم الرعاية للبؤس في الماضي ويدرك حاليا ما الذي فعله في الصيف الماضي على طريقة الأفلام الأمريكية هو الأولى اليوم بتدشين الإصلاح ولو على الأقل من باب الاعتذار مرة للدولة التي أساء لها ومرات للشعب الذي مس بحقوقه وأنتج لديه عشرات المشكلات.

الاعتذار هنا واجب وطني ولا معنى للولاء للدولة والنظام بدون حراكات اعتذارية من طبقة رجال الدولة في الماضي تسعى لإصلاح الموقف وتوضيح الصورة.

أضم صوتي للقائلين بالجملة اليوم بأن إدارة الأمور في الأردن بالطريقة القديمة والمألوفة لم تعد منتجة أو ممكنة.

أضم صوتي لهؤلاء لأنهم لم يعودوا مجرد شريحة في المجتمع يمكن اتهامها ولا تنظيما سريا يعمل في الظلام فمن يطلقون التحذير اليوم هم مواطنون يشكلون الأغلبية ورجال دولة ومثقفون وطبقة عريضة من البيروقراطيين الأوفياء وينضم لهم سفراء دول حريصة على الاستقرار في الأردن وتتطلع لبداية تدشين مواجهة جذرية إصلاحية.

ليس أقل من الحرص على المؤسسات العميقة بتحصينها ومنع التجاذب حولها.

وليس أقل من السهر على إبعاد المؤسسة الملكية عن تلك التفاصيل التي ينبغي أن تنشغل بها الحكومات والبرلمانات فهي مؤسسة أغلى على الأردنيين أحيانا من أرواحهم.

وليس اقل من انتخابات نزيهة حقا وحكومة قوية صلبة صاحبة ولاية.. هل من مجيب.

* بسام البدارين كاتب صحفي وإعلامي أردني.

المصدر | القدس العربي