هزيمة الجنرالات.. والأردن

شكل المنطق الأمني حجر الرحى في التفاهمات الأردنية الإسرائيلية قبل وبعد معاهدة السلام.

استندت النخب الأردنية في مقاربتها مع إسرائيل إلى التفاهم مع المؤسسات العسكرية والأمنية.

ليس بوسع الأردن التصدي وحده لما يحاك فالعمق العربي لم يعد موجودا والنتيجة انتظار واكتفاء بمواقف لفظية.

نتنياهو عمل بشكل ممنهج لتجاوز المؤسسات العسكرية والأمنية وحصرها في أدوار يرسمها المستوى السياسي.

تراجعت أهمية المؤسسات العسكرية والأمنية في رسم السياسة الخارجية بعد أن كانت هي الباروميتر للسياسة الإسرائيلية.

انتصار الايدلولوجيا الصهيونية الجديدة المتمثلة بتحالف التيار القومي الديني على منطق الدولة ومنطق الواقعية السياسية التي ميزت قراءات الجيش التقليدية،

*     *     *

بعيدا عن التحليل الكلاسيكي للانتخابات الإسرائيلية وحقيقة أن نتنياهو فاز بالانتخابات وإن لم يحسمها هناك ملاحظات في غاية الأهمية لما لها من انعكاس مباشر على الأردن في قادم الأيام.

الملاحظة الأولى تتمثل بالهزيمة التي مني بها ثلاثة من رؤساء هيئة الأركان السابقين للجيش الإسرائيلي وهم: بني غانتس وغابي اشكنازي وموشيه يعلون.

تاريخيا، مثل انضمام أي رئيس هيئة أركان سابق لأي حزب مصدر جذب كبير للناخبين وذلك لمركزية الأمن في البنية الذهنية الجمعية لليهود الإسرائيليين. فعادة ما ينظر إليهم في إسرائيل بوصفهم «أبطالا» وبالتالي هم الأقدر على الحفاظ على الأمن التكتيكي منه والاستراتيجي.

المفارقة أن نتنياهو – مع كل فضائحه – تمكن من الحاق هزيمة ليس برئيس هيئة أركان واحد وأنما بثلاثة دفعة واحدة! هذه الهزيمة لجنرالات الجيش تعكس تراجع مكانة الجيش لدى المجتمع الإسرائيلي بعد أن طرأ انزياح فيزيائي لليمين ما يعني أمرين:

- الأول انتصار الايدلولوجيا الصهيونية الجديدة المتمثلة بتحالف التيار القومي الديني على منطق الدولة ومنطق الواقعية السياسية التي ميزت قراءات الجيش التقليدية،

- الثاني، تراجع أهمية المؤسسات العسكرية والأمنية في رسم السياسة الخارجية بعد أن كانت هي الباروميتر للسياسة الإسرائيلية لعقود خلت.

والحق أن نتنياهو عمل بشكل ممنهج لتجاوز هذه المؤسسات وحصرها في أدوار أمنية وعسكرية يرسمها المستوى السياسي.

اللافت أن النخب الأردنية استندت في مقاربتها مع إسرائيل إلى التفاهم مع المؤسسات العسكرية والأمنية، وبالفعل شكل المنطق الأمني حجر الرحى في التفاهمات الأردنية الإسرائيلية قبل وبعد معاهدة السلام.

لكن الآن ومع التهميش الذي أصاب هذه المؤسسات وتراجع مكانتها ودورها في رسم سياسة إسرائيل تجاه الأردن فإنه يمكن القول إن الأردن سيواجه من الآن فصاعدا دولة سيطرت عليها الايدولوجيا القومية الدينية بشكل لم يعد يبقى للأردن مكانته السابقة التي حرصت عليها المؤسسات الأمنية والعسكرية.

فالمستوى السياسي لم يأبه باستقرار الأردن ولم يعد يأخذ بالحسبان انعكاس سياساته التوسعية على المصالح الأردنية.

هل بإمكان الأردن تغيير أدوات العمل أم يبقى في مكانك سر؟! واضح أن النخب الأردنية ربما لم تفهم بعد حجم التغير في المجتمع الإسرائيلي بالرغم من وجود العديد من الكتابات والمقالات والكتب التي استشرفت الوضع الحالي.

فكان الرهان الرسمي على تغير يحدث في الانتخابات الإسرائيلية وكأن مشكلتنا هي فقط مع نتنياهو شخصيا. وهذا يقودنا إلى الملاحظة الثانية والهامة والتي تتمثل بتحول الانتخابات الإسرائيلية لتقترب من الانتخابات الإيرانية، فالاختيار هنا ليس بين مرشحين متباينين ايدولوجيا بل بين متشددين!

وأي نظرة سريعة إلى المترشحين تكشف عن تقارب ايدولوجي فيما يتعلق بالموقف من ضم المستوطنات وضم غور الأردن إذ لا يمكن مجرد رصد معارضة من قبل أي مرشح له وزن لنوايا نتنياهو ضم الكتل الاستيطانية أو غور الأردن، وكان الاختلاف فقط في التوقيت حتى لا يستفيد نتنياهو من ذلك انتخابيا.

هذا التقارب أو لنقل التماثل في الموقف يعني أنه لم يعد هناك ما يمكن الرهان عليه إسرائيليا. بمعنى آخر، الكرة في الملعب الأردني إذ لا يمكن الاستمرار في نفس الرهان الساذج على أي شخصية إسرائيلية، فالمجتمع الإسرائيلي تغير ولا يبدو أن هناك ما يشير إلى تغير معاكس في العقد القادم على الأقل.

للأسف التعاطي مع هذا المشهد الإسرائيلي البشع ما يزال في سياق أمرين:

- أولا، أن الأردن ما يزال يخوض معركة سياسية مع أننا كمراقبين لا نلحظ ذلك.  

- الثاني أن الأردن ليس بوسعه التصدي وحده لما يحاك وبخاصة وأن العمق العربي لم يعد موجودا كما كان في السابق. والنتيجة هي الانتظار والاكتفاء بالمواقف اللفظية فقط.

* د. حسن البراري أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأردنية.

المصدر | الغد الأردنية