الجمعة 20 مارس 2020 09:06 ص

أزمة كورونا وأزمات أمريكية أخرى

دخلت أميركا بالفعل انكماشا اقتصادىا بسبب كورونا لكن المقبل لن يكون كما عرفته البشرية من أزمات.

تأثيرات الأزمة ستمتد لتؤثر فى علاقات الدول ببعضها أو النظم الحاكمة بشعوبها والبشر ببعضهم على المستوى الإنسانى.

تدخل الدولة فى حياة المواطنين بضرورات الصحة العامة وما سيتعلق بذلك من تناقض في قضايا الخصوصية والحريات سيكتب له تاريخ جديد.

*     *     *

يتفاخر الكثير من الساسة الأمريكيين بأنهم عاصروا أزمات طاحنة مرت على بلادهم وكان لهم الانتصار فى النهاية، ويقارن هؤلاء ما نواجهه الآن بإدارتهم لأزمات على شاكلة أزمة أحداث 11 سبتمبر 2001 الإرهابية، وأزمة الاقتصاد العالمى الأمريكية لعام 2008.

لكن مما نعرفه حتى الآن فستكون لأزمة كورونا تبعات تغير طبيعة علاقة البشر بعضهم البعض وتغير طبيعة علاقات الدول بعضها البعض وتغير طبيعة علاقة الحكومات بشعوبها فى كل بقاع العالم.

*     *     *

عاصرتُ أزمة 11 سبتمبر طالبا فى الولايات المتحدة وتحديدا مدينة واشنطن؛ حيث كنت أدرس فى الجامعة الأمريكية التى لا تبعد إلا ستة كيلومترات من البيت الأبيض، وأتذكر جيدا أين كنت أقود سياراتى عندما سمعت على أثير راديو سياراتى الأنباء الأولية لاصطدام طائرة بأحد أبراج منطقة مانهاتن بمدينة نيويورك.

كان الحدث فى البداية أمريكيا بامتياز سواء فى جغرافيته أو تبعاته الإنسانية المباشرة، نتج عن الهجمات التى قام بها تنظيم القاعدة من خلال 19 شابا عربيا أغلبهم من المملكة السعودية مقتل ثلاثة آلاف أمريكى.

وحدثت هزة عنيفة لأسواق المال والأعمال، وسقط برجى التجارة العالمية الواقعين فى قلب منطقة أسواق المال وول ستريت، وأحدث ذلك صدمة غير مسبوقة للأمريكيين، وطرح الكثير أسئلة على شاكلة: لماذا يكرهوننا؟ وكيف لنا أن ننتقم؟ وأين وضد من نوجه آلة الحرب الأمريكية؟

تعاملت أمريكا مع الأزمة كالثور الهائج، وغزت أفغانستان ولم تخرج منها بعد، ولم تحقق ما أرادت سواء فى خلق نظام حليف يا حبذا لو كان ديمقراطيا، أو أن يتم القضاء على التنظيمات الإرهابية، وتم غزو العراق فى خطوة تالية لم تكن نتائجها أفضل من الخطوة الأولى.

وداخليا عرفت أمريكا قوانين دراكونية لتقييد بعض الحريات وانتهاك بعض الخصوصيات، وتم إصدار قانون الوطنية «باتريوت أكت» الذى استهدف بطريقة غير مباشرة آلاف المسلمين المقيمين بالولايات المتحدة.

واختلف ما طلبته الحكومة الفيدرالية من مواطنيها عقب وقوع الهجمات عما تطلبه اليوم فى مواجهة أزمة كورونا، كان من الوطنية أن يخرج الأمريكى لتناول الطعام فى المطاعم، وكان من الوطنية أن يمارس حياته وكأن شيئا لم يقع، وكان من الوطنية أن تذهب لصالات السينما والمسارح والمباريات الرياضية كى يتم إثبات أن الإرهابيين لن يغيروا نمط الحياة الأمريكى وأنهم لن يخيفوا الأمريكيين.

وخلال أيام قليلة امتلأت المطاعم والمسارح والاستادات وسافر المواطنون وتحركوا لشراء ما يحتاجون وما لا يحتاجون كطرق لدعم اقتصاد بلادهم.

اليوم وفى مواجهة أزمة كورونا تطلب الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات من المواطن الأمريكى البقاء فى بيته وأن يغلق بابه، أغلقت المسارح والمطاعم وصالات السينما والمدارس والجامعات أبوابها، لم يعد الشخص يخرج إلا لشراء الأطعمة والأدوية، ولا توجد أى بدائل أخرى حيث تم غلق كل شىء.

وأصبح من الوطنية أن يبقى الشخص حبيس بيته مخافة أن يناله فيروس الكورونا أو أن ينشره حالة إصابته به.

أوقعت أزمة 11 سبتمبر ثلاثة آلاف قتيل أمريكى، واليوم تتوقع أسوء السيناريوهات كما عرضتها صحيفة نيويورك تايمز أن يموت أكثر من مليون أمريكى بسبب كورونا حال تفشى الوباء الذى يمكنه أن يصيب الملايين كما يعتقد الكثير من العلماء المختصين.

*     *     *

أزمة أخرى يتم الإشارة إليها وهى الأزمة الاقتصادية العالمية التى امتدت من فبراير 2007 إلى نهايات 2008 والتى عصفت بقواعد الاقتصاد والأسواق المالية التى عرفها البشر لعقود، كانت الشرارة الأولى أزمة قروض الرهن العقارى بالولايات المتحدة.

ومن ثم انتقلت إلى البورصات والمصارف وشركات التأمين حول العالم، ومع انتهاء الأزمة خسرت البورصة ما قيمته 45% من قيمة أسهمها، واختفت بعض المصارف الكبرى، واشترى عدد من البنوك الأمريكية الكبرى مصارف أخرى كانت على وشك الانهيار.

كما قامت الحكومة الفيدرالية بتأميم عدد من شركات التأمين، وتم إعداد وتنفيذ خطة لإنقاذ ودعم المصارف وشركات السيارات الأمريكية، وامتدت الأزمة لأكثر من عام وشعر بها العالم المتقدم، وشعر بها العالم الثالث بدرجات أقل.

لكن تبعات الأزمة لم تقترب من صحة وحياة الشعوب، ولم تغير فى النهاية أسس المعادلات الاقتصادية الراسخة على الرغم مما شهدته من تدخل وتضخم دور الدولة.

*     *     *

تختلف أزمة كورونا عن غيرها فى تأثيرها ثلاثى الأبعاد كما ذكر المفكر الدولى الدكتور محمود محيى الدين فى مقال له، وتضرب الأزمة أسس برامج الصحة العامة فى مختلف دول العالم وما لذلك من تبعات خطيرة على حياة البشر، وتضرب كذلك أسس المعادلات الاقتصادية التقليدية، وتضرب أخيرا أسس أسواق المال والبورصات حول العالم.

قد تكون دخلت الولايات المتحدة بالفعل فى انكماش اقتصادى بسبب فيروس كورونا، رغم تأكد إصابة ما يقرب من سبعة آلاف شخص ووفاة 114 شخصا بمنتصف يوم الأربعاء الماضى، إلا أن المقبل لن يكون كما عرفته البشرية من أزمات.

إلا أن تأثيرات الأزمة الحالية ستمتد لتؤثر كذلك على كل ما عرفناه من قبل سواء فى علاقات الدول بعضها البعض أو علاقات النظم الحاكمة بشعوبها، والأهم علاقات البشر بعضهم ببعض على المستوى الإنسانى.

حجم تدخل الدولة فى حياة المواطنين تحت ضرورات الحفاظ على الصحة العامة وما سيتعلق بذلك من تناقض فى قضايا الخصوصية والحريات الأساسية يكتب له تاريخ جديد الآن.

* محمد المنشاوي كاتب صحفى فى الشؤون الأمريكية من واشنطن

المصدر | الشروق المصرية