الثلاثاء 24 مارس 2020 07:21 ص

أي عالم سيكون بعد جائحة كورونا؟

 

ما مصير العولمة؟ وما هي التحولات التي ستشمل النظريات الليبرالية الجديدة؟

 

هل ستخرج المجتمعات الديمقراطية من معركتها مع وباء كورونا وهي أكثر خبرة وتجربة وقوة؟

هذه الأزمة ستكون بنيوية على المستوى الكوني فهناك تنافس اقتصادي شديد لم يعد يخفى على أحد بين أكبر اقتصادين.

يطرح الباحثون التربويون تساؤلات جادّة عن جدوى استمرار المدرسة التقليدية، بأنظمتها ومناهجها وأدوارها المعهودة.

ما مستقبل الأنظمة الديمقراطية مع تصاعد نزعات شعبوية ويمينية متطرّفة وتسويق دكتاتوريات بقوالب ديمقراطية شكلية؟

*     *     *

في انتظار تبلور حصيلة جهود مقارعة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) على مختلف المستويات، تعيش جميع الدول ظروفاً استثنائية بالغة الدقة والتعقيد في سائر الميادين، خصوصا الصحية والاقتصادية والتعليمية منها.

فالمؤسسات والأنظمة الصحية القائمة والمعهودة أثبتت أنها لم تكن في مستوى التحدّي، حتى في الدول المتقدمة، على الرغم من أنها بذلت جهوداً غير مسبوقة، واتخذت إجراءات غير عادية، كلفتها مبالغ طائلة، من أجل تأمين الحد الأدنى المطلوب من مستلزمات المعركة مع كورونا.

فما بالك بالمجتمعات الفقيرة، أو بتعبير أدق المجتمعات المغلوبة على أمرها التي أنهكتها الحروب والصراعات وأوبئة الاستبداد والفساد، وتعاني من تصدّعات كبرى في الثقافة الصحية، وما زالت تخضع للطقوس السحرية بأسمائها العديدة.

كما أن أنظمة الاتصالات والمراقبة وتطبيقات الهواتف الذكية القادرة على استشعار الخطر عن بعد، والحصول على المعلومات والإرشادات أولاً بأول، هي الأخرى لم تكن في المستوى نفسه في الدول كلها التي باتت جميعها مهدّدة في يومنا الراهن.

وفي ظل الشلل شبه الشمولي التي تخضع له مختلف الدول تباعاً، نتيجة الإجراءات الصارمة التي تم اتخاذها من أجل الحد من انتشار الفيروس، وهي إجراءات أقرب ما تكون إلى منع التجول والعزل الصارم والحجر الصحي.

فإن أكبر الاقتصادات قد تأثرت وتضرّرت، لا سيما قطاعات الخدمات والسياحية والمصارف، الأمر الذي سيؤثر، عاجلاً أم آجلاً، بصورة مباشرة وغير مباشرة في بقية القطاعات الأخرى.

كما أن أزمة الأسعار والإنتاج بين منظمة أوبك وروسيا وغيرها من الدول النفطية قد أسهمت، هي الأخرى، في تعرض أشهر أسواق المال والبورصات العالمية، لا سيما داو جونز وناسداك، فضلا عن البورصات الأوروبية واليابانية والصينية، لهزّات كبرى غير مسبوقة.

وبدأت الشركات تستغني عن عمّالها، وتلوح في الأفق بوادر أزمة اقتصادية عالمية جديدة، من المرجّح أنها ستكون أعمق وأشمل من الأزمة التي كانت في عامي 2007 و2008.

وما يستشفّ من المعطيات والمؤشرات الحالية أن هذه الأزمة ستكون بنيوية بمعنى من المعاني على المستوى الكوني، فهناك تنافس اقتصادي شديد، لم يعد يخفى على أحد بين الاقتصادين الأكبرين في العالم، الأميركي والصيني.

هذا فيما يحاول الأوروبيون، فرنسا وألمانيا تحديدا، أن يجدوا لهم مكاناً يمكّنهم من الاحتفاظ بمكتسباتهم، ويتناسب مع حجمهم السكاني والجغرافي، ومستوى تقدّمهم، وبما يحفظ لهم استقلاليتهم، ويجنّبهم مختلف التهديدات، خصوصا الروسية منها.

هذا في حين أن الاقتصادات الآسيوية، سواء في اليابان وكوريا الجنوبية، أم في ماليزيا والهند، تسعى، بكل إمكاناتها، من أجل الاستمرار في مستويات النمو التي حققتها. ولكن الأزمة العالمية التي تلوح في الأفق تهدّد الجميع، وتضعهم أمام خياراتٍ ربما تكون في معظمها في حكم المجهول المبهم.

ولعل هذا ما يفسّر، في جانب منه، واقع تحرك الدول السريع تحت شعار تطويق وباء كورونا، والحد من انتشاره. وهذا مطلوب في جميع الأحوال، ولكن يبدو أن هذه الدول تتحسّب لتحدّيات أكبر، قد تتجاوز تحدّي كورونا بما هو أكبر وأخطر.

هل هي أوبئة بيولوجية أم اقتصادية، أم نمط غير مسبوق من أنماط التحولات النوعية، ينبغي على العالم أن يكون مستعدّا له؟ فإعلانات الحرب على كورونا التي تصدر تباعاً من الدول الكبرى يمكن مقارنتها، بهذه الصيغة أو تلك، بإعلانات الحرب عشية نشوب الحرب العالمية الأولى.

وهي الإعلانات التي جاءات في نطاق أسبوع واحد، عرف لاحقا بالأسبوع الأسود، وذلك بعد اغتيال ولي عهد إمبراطورية النمسا – المجر، فرانتز فرديناند، وزوجته صوفي، في سراييفو في 28 يونيو/ حزيران عام 1914.

ما مصير العولمة؟ وما هي التحولات التي ستشمل النظريات الليبرالية الجديدة؟ بل ما مستقبل الأنظمة الديمقراطية نفسها في مناخات تصاعد النزعات الشعبوية واليمينية المتطرّفة، وألاعيب تسويق الدكتاتوريات في قوالب ديمقراطية شكلية؟

هذه أسئلة أساسية، وغيرها الكثير، تفرض نفسها في واقعنا الراهن. وعلى الأغلب ستكون في المستقبل محوراً لنقاشات بين الباحثين، وخلفية لممارسات سياسية واقتصادية على أرض الواقع.

ولكن التحول الأكبر الذي ستشهده المجتمعات المختلفة سيكون في ميدان التعليم، خصوصا في الدول التي تركز على الاستثمار المستقبلي في التعليم، وتوظف ميزانياتٍ ضخمة لتطوير المناهج وطرق التعليم والوسائل المساعدة المستخدمة في العملية التعليمية، فقد كان هذا الميدان دائماً، وسيبقى باستمرار، موضوعاً للدراسة والنقد والتجريب والبحث عن الأفضل.

وفي مناخات الثورة المعلوماتية الرقمية الهائلة التي يعيشها عصرنا هذا، والتي تعد وجهاً رئيساً من أوجه الثورة الصناعية الرابعة، يطرح الباحثون التربويون تساؤلات جادّة عن جدوى استمرار المدرسة التقليدية، بأنظمتها ومناهجها وأدوارها المعهودة التي لم تخضع لتطور نوعي متميز يفتح الآفاق أمام الإبداعات بصورة أفضل، ويمكّن الطلبة من الاستفادة من المعارف المكتسبة في سائر المجالات العلمية.

لتكون عوناً لهم في مواجهة تحدّيات العالم المعاصر والحياة اليومية المعقدة من جهة، وأساساً يمكّنهم من تحقيق النجاحات العلمية، وابتكار أساليب جديدة تمهد الطريق نحو مجالات إنتاجية أرحب، واختراع وتصميم مزيد من الأجهزة والأنظمة التي تساعد على وضع الحد للأوبئة والأمراض والفقر والجهل، وتضمن المقومات الواقعية لرفاهية الإنسانية وتقدّمها من دون أي تمييز.

وربما يكون من المهم المفيد أن يُشار، في هذا السياق، إلى التجربة الفنلندية الرائدة في ميدان التعليم التي أساسها تحرير الطالب من القيود المرهقة المتمثلة في الدوام الطويل، والواجبات المدرسية التي تؤدّي إلى الملل، والعزوف عن الدراسة.

ولكن الفكرة المحورية في المنهاج المعني تتمثل في تأكيد واقع ترابط مختلف الأنساق المعرفية - العملية بعضها ببعض، والتأثيرات المتبادلة فيما بينها؛ لذلك يتم التركيز على التعليم عبر اختيار الموضوعات المناسبة التي يدرسها الطالب، من جميع جوانبها العلمية والمعرفية.

ليتأكد بالملموس من واقع عملية تداخل المعارف والعلاقة الجدلية فيما بينها، فتتكوّن لديه رؤية شمولية عامة تحيط بالموضوع من جميع جوانبه، ليتمكن لاحقاً من التخصص في المجال الذي يميل إليه، ويمتلك في نفسه القدرة على الإبداع فيه.

وفي ظروف إغلاق المدارس في دول أوروبية عديدة، تجري حالياً مناقشاتٌ معمقةٌ بين التربويين أنفسهم، وبينهم وبين السياسيين، عن دور التعليم الرقمي في تلبية موجبات العملية التعليمية، بل وتطويرها.

وليس مستبعدا اعتماد أساليب ابتكارية كثيرة فرضتها الحاجات الراهنة مستقبلاً، وذلك لتجاوز مشكلاتٍ كثيرة كانت ترهق كاهل التربويين والطلبة والعملية التربوية بصورة عامة. ويُشار هنا بصورة خاصة إلى حالات النسب المرتفعة لحالات الغياب والمرض بين الطلبة والمعلمين. هذا فضلا عن ضعف النتائج قياساً إلى حجم الميزانيات.

ستخرج المجتمعات الديمقراطية الحيوية من معركتها مع وباء كورونا وهي أكثر خبرة وتجربة وقوة، وستعيد النظر في كثير من أنظمتها وبرامجها ومناهجها، حتى تحصّن نفسها مستقبلاً في مواجهة أوبئة أخرى مشابهة، أو كوارث اقتصادية أو بيئية قد يكون حجم مخاطرها أكبر بكثير مما هو عليه الحال مع كورونا (كوفيد 19).

أما مجتمعاتنا المبتلاة بثالوث الفساد والاستبداد والجهل الثقافي قبل الأبجدي، فستكون، ما لم تتبدل الأمور فيها نحو الأفضل، عرضةً لمزيد من الأوبئة؛ بل مصدرا لأنواع جديدة منها، وفي مقدمتها وباء الإرهاب المذهبي، بكل أشكاله وأسمائه وشعاراته.

* د. عبد الباسط سيدا كاتب وسياسي سوري، دكتوراه في الفلسفة.

المصدر | العربي الجديد