الأربعاء 25 مارس 2020 02:21 م

كلٌّ يلزم بيتَه في مواجهة المصاب المشترك

الهلع أسوأ الانفعالات حين يرتبط بغريزة البقاء.

الشعور العميق بأن هذه الجائحة ستمضي لا يلغي التساؤل العميق عمّن سيبقى بعدها.

*     *     *

كل شيء في أيامنا كان يغري بالخروج من البيت، لكن كل شيء بات الآن يحضّ على لزوم البيت، هو المكان الآمن للوقاية من الوباء، للابتعاد عن أي «آخر» قد يكون ناقلاً للفيروس القاتل، يكاد الخوف يغذّي الارتياب في كل آخر حتى داخل المنزل الواحد.

في السعي إلى حماية الجسم دافع شخصي، أناني بالضرورة، لا يخلو طبعاً من الحرص والقلق على الآخرين في العائلة، لكنه صار أولوية بالغة الذاتية، فجأة لم تعُد الأنانية معيبة، بل غدت مبررة وإلزامية وصريحة.

فأنت وجارك لا يستطيع أحدكما شيئاً للآخر، أنتما في مأزق مشترك، وأفضل وسيلة لمواجهته أن تتباعدا وتنعزلا. شيوع الأنانيات وصعودها سمة واحدة لكنها لا توحّد بين أفرادها، وربما يكون فيها العلاج والنجاعة.

ها هو الحجر/ الحجز الطبي يحوّل كل مسكن إلى شبه مشفى ذاتي خاص، يؤمل بأن يبعد الداء عن أصحابه، وأن يساهم في حصر الوباء والقضاء عليه من أجل سلامة العموم، لم يبقَ مسؤول أو طبيب أو منشور إلا أفاض في مديح الانعزال، وجاء بكل الحجج للإقناع.

وظل ذلك صعباً بطبيعة الحال، فالناس تهاب ما يمكن أن تراه أو تسمعه أو تتعرف مباشرة إلى شرّه وأذاه، لكن المشكلة مع «كوفيد-19» أنه يؤذي بصمت، وإن تلبّسه ما تسمّى «القوة الناعمة» جعلته رائد «القتل الناعم»!

لذلك تبقى النفوس توّاقة إلى الشارع والحدائق والمقاهي والمولات ودور السينما، وإلى أنواع الضجيج شتى، كما لو أنه دليل الحياة ومؤشّرها، كل التقاليد والعادات الاجتماعية دخلت شيئاً فشيئاً القوقعة التي لا بدّ منها.

الكبار يرضخون لنظام المكان الواحد للعمل والاستراحة والصلاة والتغذية والترفيه، والأولاد يبقون في البيت الذي لا يطيقونه، وإن كانوا يحبّون خدماته، بل ربما يكرهونه أكثر إذ يؤتى بالمدرسة إليه للتعلّم عن بُعد.

وحدها الحروب، حيثما حصلت وتحصل، كانت ولا تزال تحرم الناس من تلك الفضاءات الاجتماعية، المفتوحة أو المغلقة، لكنها على العكس غالباً ما تنسج بينهم تقارباً وتضامناً، بل ترغّبهم غريزياً في التجمّع لتقاسم الخطر والرهبة، وأحياناً تفرض عليهم المكوث طويلاً في الملاجئ.

لم يسبق للعالم أن مرّ حتى في الحربين العالميتين، بهذه الدرجة من التعطيل للحياة البشرية، كما هي الحال اليوم مع حرب «كورونا» الأكثر عالمية بعموميتها وشمولها.

بل الأكثر إشاعة للخوف، حرب لا تدمّر منشآت ومعالم كما تفعل المدافع والصواريخ، لكنها مرشحة لأن تخرب الاقتصادات، وكغيرها من الحروب ستعمّق الفجوة بين الغني والفقير، وتنعكس على وتيرة الحياة العامة لسنوات وسنوات.

تمرّ حالياً في الأذهان صفحات من كتب جاءت كل الأنحاء ووصفت تجارب إنسانية مع أمراض صارت أوبئة، أوقعُها أثراً تلك التي حلّت في بيئات ريفية فقيرة تستسلم لقدرية الموت ومحدودية وسائل المعالجة والوقاية..

تُستعاد أيضاً مشاهد من أفلام كثيرة عن جائحات، بعض منها متخيّل عن فيروسات آتية من الفضاء، وبعضٌ أكبر واقعي لأوبئة انتشرت فعلاً.

وساعد تقدّم الطب على تحدّيها بحثاً عن اللقاح الشافي في سباق محموم مع الموت، مع اجتياح المتاجر والمشافي انتقلت تلك المشاهد إلى الواقع، خصوصاً في بعض بلدان الغرب.

فالهلع أسوأ الانفعالات حين يرتبط بغريزة البقاء، ذاك أن الشعور العميق بأن هذه الجائحة ستمضي لا يلغي التساؤل العميق عمّن سيبقى بعدها.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني

المصدر | العرب القطرية