القواعد الذهبية الأردنية

اعتمد الأردن نموذجاً هجيناً بين الصيني والأوروبي، يقوم على "حظر تجول مخفف".

الوضع الاقتصادي والمالي في الأصل مهدّد، وهنالك شريحة اجتماعية واسعة تضرّرت بشدة من الإغلاق.

كانت شخصية وزير الصحّة الأردني، سعد جابر، من عوامل النجاح، فصعد نجمه بصورة ملحوظة.

*     *     *

رغم أنّ الارتباك الذي حدث خلال توزيع "مؤسسات الدولة" الخبر أرعب أردنيين كثيرين، مع حدوث خروق لحظر التجول في يوم الثلاثاء الماضي، إلا أنّ الأزمة انتهت سريعا.

وأمسكت الدولة بتلابيب الأمور، وتمكّنت من الحفاظ على علامة متقدّمة في قبول الشارع ووقوفه وراء الدولة والالتزام بقراراتها، والتوافق الواضح وطنياً على ضرورة التعاون والتضافر لعبور الأزمة الحالية.

لا يخفى حجم التوافق على أي متابع للمشهد الأردني، من خلال الحملات الإلكترونية المكثفة من الحكومة والناشطين والمتطوعين التي تحثّ على الجلوس في المنزل، وعلى الالتزام بالقرارات الحكومية، وصولاً إلى الأغاني الوطنية والشعارات والرموز الوطنية التي تسود في المناخ العام، بالإضافة إلى وقوف المعارضة بصورة كاملة مع الحكومة في سياساتها لاحتواء كورونا.

ثمّة معالم واضحة للنموذج الأردني، الناجح حتى الآن، في إدارة "حرب كورونا"، وفي مقدمتها الاعتماد على منهجية مهنية متطورة عبر انتقال "مطبخ" الدولة إلى مركز إدارة الأزمات، وهو مركز متخصّص تقنياً وفنياً في التعامل مع الظروف الصعبة، والتنسيق بين مؤسسات الدولة وأجهزتها كافّة.

وقد تأسس قبل أعوام، لكن تفعيله جاء متأخراً، ومن خلال الحكومة الحالية، بصورة فعّالة، وهو يتيح متابعةً دقيقة للتطورات والتحولات في الميدان، مع وجود القيادات في المكان نفسه، واتخاذ القرار بالتشارك بين مؤسسات الدولة، وبوجود الملك في أحيان كثيرة، أو إشرافه المباشر على العملية.

كان مثل هذا النمط من الإدارة مهماً لتجنب التضارب والتباعد بين المؤسسات الحكومية المختلفة، وكفيلاً برصد أي فجواتٍ والتعامل السريع معها، والتغذية الراجعة السريعة من الميدان.

وهو نموذجٌ جنب الدولة أخطاء فادحة، وقعت فيها سابقاً في إدارة أزمات أقلّ من هذه الأزمة، وكانت النتيجة فشلاً ذريعاً. أما الإدارة الحالية فهي نموذج يعتبر متقدماً وجديراً بالاهتمام على صعيد دولة محدودة الموارد المالية مثل الأردن.

الميزة الثانية التي أدّت إلى تحقيق نجاحات نسبية (إلى الآن، لأنّ المعركة يومية، والخطأ فيها قد يكون خطيئة قاتلة مكلفة)، تتمثل في انفتاح الحكومة ومرونتها.

وهو أمر يُحسب لرئيس الوزراء الحالي، عمر الرزاز، الذي من السهولة بمكان وصول الناس إليه ومخاطبته وتفاعله مع مجاميع وأفراد كثيرين، ما سمح بوصول الآراء والأفكار المتنوعة والمتعددة إليه، وعدم استقاء التغذية العكسية من المؤسسات الرسمية فقط.

وهو ما يفسّر القرار السريع الذي اتخذ بعد أزمة توزيع الخبز، بتعديلاتٍ جوهرية على الحظر الكلي، والسماح بفتح البقالات المحلية والمخابز في الأحياء، وخروج الناس لتلبية متطلباتهم مشياً، وفي الأماكن المحاذية لهم.

ووضعت شروطا صارمة لالتزام المحلات بالقواعد الصحية، وهو الأمر الذي نفذ بنجاح كبير، وخفّف من التوتر الاجتماعي، وأكسب العلاقة ثقة أكبر بين الطرفين والحكومة.

منذ بداية الأزمة، تصارعت نظريتان في أوساط القرار الأردني بشأن التعامل مع الوباء القاتل: تذهب الأولى باتجاه التجربة الصينية والتشدد بالالتزام ببروتوكول منظمة الصحة العالمية. وترى الثانية عدم إمكانية ذلك، وتطالب بنموذج مخفف.

وقد انحازت الدولة إلى النظرية الصينية للتأكد من محاصرة الوباء، ومع مرور وقت قصير، اكتشف المسؤولون أنّ تطبيق هذا النموذج بطريقة صارمة غير ممكن، لاختلافات جوهرية بين الدولتين والمجتمعين.

فاعتمدت نموذجا هجينا بين الصيني والأوروبي، يقوم على "حظر تجول مخفف"، يوازن بين إمكانات الدولة الإدارية والفنية والعمل على الالتزام بشروط قوية في محاصرة أسباب انتشار الفيروس.

سمة أخرى تميز النموذج الأردني تتمثل في المستوى العالي من التعليم والثقافة والوعي، ووجود طبقة تكنوقراطية وسطى متعلمة كبيرة، ما جعل من سهولة الوصول والتواصل مع شرائح اجتماعية واسعة أمراً ممكناً وميسوراً.

وشاركت مجموعات كبيرة في الإعلام المجتمعي (السوشيال ميديا) في نشر الوعي والتنبيه من العادات والممارسات الخاطئة، فكان مشهد المئات في طوابير متباعدة ملتزمة بالشروط الصحية ظاهرة واضحة في جميع محافظات المملكة، مع استثناءات طبيعية لفوضى حدثت هنا وهناك.

وكانت شخصية وزير الصحّة الأردني، سعد جابر، من عوامل النجاح، فصعد نجمه بصورة ملحوظة، وأصبح محلّ تقدير غير مسبوق لأي مسؤول أردني، منذ سنوات طويلة، وقد تكون للحظة التاريخية أهميتها في "صناعة النجم".

فهو وزير الصحة والمسؤول عن الملف فنياً، ولكن سمات التواضع والانفتاح والصراحة جعلت معارضاً أردنياً شرساً، معروفاً بعدم وجود سقوف لمعارضته، ليث شبيلات، يرسل إليه رسالة أقرب إلى التغزل بأدائه وإدارته.

تمثل هذه المعطيات إلى الآن عوامل جيدة في النموذج الأردني (رغم أن عداد المرضى بفيروس كورونا لم يتوقف، ما أدى إلى عزل محافظة إربد في الشمال، وإخضاعها للقوات المسلحة الأردنية وفق قانون الدفاع).

لكن الأردن لم يعبر بعد الأزمة، ولا يزال الجانب الأصعب من التحدّي لم يأت، إذ إنّ الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، مع ذلك فإنّ الإجراءات السابقة بمثابة "قواعد ذهبية" يؤدي التمسّك بها إلى التخفيف من أي أخطار متوقعة.

ستكون المعركة الحقيقية اقتصادية ومالية في الفترة المقبلة، فالوضع الاقتصادي والمالي في الأصل مهدّد، وهنالك شريحة اجتماعية واسعة تضرّرت بشدة من الإغلاق، وكان هنالك خبراء اقتصاديون يؤكدون على ضرورة العودة إلى الحياة الطبيعية.

لكن النظرية التي سادت (إلى الآن) أن الكلفة الاقتصادية يمكن تحمّلها، أما انتشار الفيروس وانهيار النظام الصحي (كما حدث في دول متقدّمة) سيجعلان من الكلف السياسية والاقتصادية والاجتماعية أكبر تهديد محتمل للأمن الوطني الأردني، بل هو مصيري.

* د. محمد أبورمان باحث في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي، وزير أردني سابق.

المصدر | العربي الجديد