الأربعاء 1 أبريل 2020 04:43 م

في لاهوت كورونا

هل نتخلف عن صلاة الجماعة بسبب المخاطر، أم نقبل عليها توكلاً؟

الابتلاء الحقيقي للإنسان عند وقوع الكوارث لا يكون بالتفلسف والتنطع في تفسيراتٍ توافق الهوى.

تنبأ ترامب ووزير تجارته بأن كارثة الفيروس ستدفع الشركات الأميركية إلى العودة إلى بلادها.

في منطقتنا، كان التفسير اللاهوتي لجائحة كورونا مقدّمًا عند كثيرين وتواتر الاحتفال بمُصاب الصين بالفيروس باعتباره عقوبة إلهية"!

*     *     *

في أول جمعة بعد إعلان إصابات بفيروس كورونا (هنا) في قطر، توجهت إلى المسجد الذي اعتدت أداء الصلاة فيه، بغير كثير تردد. ولكن عندما لاحظت أن المسجد شهد ازدحاماً فوق المعتاد في ذاك اليوم، بدأت تراودني لأول مرة أفكار بوجود مخاطر على الجميع في مثل هذا الحضور الكثيف المتقارب في مكان واحد.

في الجمعة التي تليها، شهدت أيضاً المسجد نفسه، مع أخذ بعض احتياطات التباعد، على الأقل قبل الصلاة. في أثناء الخطبة، تحدث الإمام عن المصاب والابتلاءات، مطالباً المصلين بالإكثار من الاستغفار والدعاء، وانتقد بشدة المطالبة بإغلاق المساجد، قائلاً إن مثل هذه الأيام هي أيام اللجوء إلى المساجد، للتضرّع إلى المولى تعالى لكشف الغمّة.

تحدّثت وصاحبي الذي رافقني إلى الصلاة بجدّية حول المخاطر، وظل هذا موضع تشاور مع كثيرين: هل نتخلف عن صلاة الجماعة بسبب المخاطر، أم نقبل عليها توكلاً؟

لكن الحكومة القطرية حسمت هذا السجال، حينما أمرت بإغلاق المساجد. وقد أحال هذا بصورة غير مباشرة إلى دور الدولة، حتى الدولة الحديثة المتباعدة نوعاً ما عن الدين، في الشأن الديني.

فقد ظلت الدولة تلعب دوراً مهماً في الممارسة الدينية، وهو إيجابي في أحيان كثيرة، فقد حسمت الدول بقرار فوقي مسائل دينية خلافية كانت وستظل موضع شقاق وخلاف في النظرية والممارسة، مثل تعليم الفتيات والمساواة الاجتماعية وغيرها من قضايا.

وقد ذكّرتنا ممارسات بعض الجماعات المتطرفة، مثل "داعش"، ومحاولاتها إحياء ممارسة الرق، بهذا الدور المهم الذي لعبته وتلعبه الدولة الحديثة في تقويم الممارسة الدينية.

دور الدولة الريادي، ومسؤوليتها الأولى عن صحة مواطنيها وسلامتهم، تأكدا كذلك في مجالات أخرى، فقد استخدمت الدولة آليات إغلاق الحدود، وحظر التحرّكات، وفرض أنماط محدّدة من السلوك على الأفراد والجماعات والمؤسسات العامة والخاصة، وهي سلطة لا تملكها جهة أخرى خارج الدولة أو داخلها. وقد وضع هذا توجهات العولمة موضع تساؤل، وأكد أن الدولة لا تزال هي الفاعل المحوري في عصرنا هذا.

ولكن لا تزال هناك جوانب أخرى في هذه الجائحة التي ضربت العالم في شكل تسونامي صحي – إنساني – اجتماعي – اقتصادي - سياسي، من أهمها المنظور الفلسفي - اللاهوتي حول مثل هذه الكوارث.

ويذكّر هذا بالسجال الذي أثاره زلزال لشبونة (الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 1755) في بدايات عصر النهضة الأوروبية. وقع الزلزال في التاسعة من صباح الأحد، في مناسبة الاحتفال بيوم جميع القديسين، في واحدة من أكثر العواصم الأوروبية ثراءً وتديناً، فانهارت الكنائس الغاصة بالمصلين فوق رؤوس العابدين.

فرّ الناجون إلى ميدان المدينة إلى الميدان الرئيس في المدينة، قرب البحر، فاجتاحهم تسونامي هادر أغرق أجزاء كثيرة من المدينة. وفي نهاية ذلك اليوم المدمر، شبّت حرائق ظلت مشتعلة خمسة أيام، فأتت على ما خلفه الزلزال وتسونامي. وتصل تقديرات من قضى من أهل تلك المدينة العامرة في هذه الجائحة قرابة مائة ألف شخص.

أثارت هذه الكارثة تساؤلاتٍ فلسفية ولاهوتية عميقة في أوروبا الكاثوليكية: كيف يعاقب المؤمنون القانتون العابدون التائبون من السماء وهم في بيوت الله، يتوسّلون ويجأرون بالدعاء؟ كيف يقتل آلاف الأبرياء من الأطفال بدون جناية؟

أين العناية السماوية من هذا كله؟ وكيف يمكن بعد هذا الزلزال قبول دعوى الفيلسوف لايبنيتز إن الكون القائم هو أفضل ما يمكن، لأن العناية الإلهية لا يمكن إلا أن تختار الأفضل؟

بالنسبة للمفكرين واللاهوتيين البروتستانت، مثل جورج وايت الذي مر بالمدينة قبل عام في طريقه إلى أميركا، أو اللاهوتي جون ويزلي، لم تكن المعضلة كبيرة.

فقد كتب وايت عن "خرافات ووثنية" لشبونة الكاثوليكية، وانتقد انعدام الحرية الدينية فيها. وأضاف بعد الزلزال تحسّراً على ابتلاعه كل "ثروات المدينة وخرافاتها وهيلمانها".

أما ويزلي فقد رأى في الزلزال عقوبة إلهية مستحقة على ما سفك من دماء في محاكم التفتيش. (لم أقرأ عن إشارة إلى ثروات لشبونة جاءت على حساب شعوب الأميركتين، لأن الجميع شارك في نهب تلك البقاع).

بين الفلاسفة، تصدّى فولتير لدعوى لايبنيتز اللاهوتية في روايته "كانديد" التي سخر فيها من صاحبها. أما جان جاك روسو فقد لام مخططي المدينة الذين بنوا المنازل المتلاصقة في ازدحامٍ غير مناسب، بينما ركّز إيمانويل كانط على النواحي العلمية في ما يتعلق بالزلازل ومصادرها.

ولكن الزلزال زلزل الرؤية الدينية المهيمنة في أوروبا، ومهّد للتوجهات العلمانية الحديثة التي ترفض التفسير اللاهوتي للكوارث، وتتّجه نحو التفسيرات العلمية.

في منطقتنا، كان التفسير اللاهوتي لجائحة فيروس كورونا هو المقدّم عند كثيرين، حيث تواتر الاحتفال بمُصاب الصين بالفيروس، باعتباره عقوبة إلهية على ما ارتكبته في حق المسلمين الإيغور. ردد كثيرون قائلين إن الصين أرسلت مئات آلاف من مسلمي الويغور إلى معسكرات اعتقال، واليوم كل الصين في معسكر اعتقال.

وبالطبع، لم تقف الجائحة عند باب البغاة الصينيين، وإنما تجاوزتهم إلى ديار الإسلام، حيث أدت إلى إغلاق المساجد، ولم توفر من ذلك الحرمين الشريفين وثالثهما في بيت المقدس، فسارع بعضهم بتفسير آخر لذلك، متمثلاً في غضب سماوي على الإنسانية، بحيث رغب الله عن عبادتهم فأغلق في وجههم بيوته بما كسبت أيديهم.

وهناك من رأى في الجائحة نعمة دنيوية، مثل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ووزير تجارته، إذ تنبأ كلاهما بأن كارثة الفيروس ستدفع الشركات الأميركية إلى العودة إلى بلادها، والتخلي عن مصانعها ووارداتها من الصين، ولكن هذا التفسير واجه مشكلة، بعد أن ضربت الجائحة أميركا نفسها، وصناعتها وتجارتها.

بالنسبة للمؤمنين بالطبع، ما يقع من جوائح هو قدر إلهي. ولكن توجه كثيرين إلى استباق الحكمة الإلهية بتفسيرٍ من عندهم هو خطر كبير، بسبب جهلنا جميعاً بكل الأبعاد. وفي قصة موسى المشهورة في سورة الكهف مع الرجل الصالح، وإدانة موسى كل تصرّفات الرجل بناءً على ظاهر حالها، عبرة لمن اعتبر!

فقد كان موسى، وهو نبي مرسل أفرد من بين الرسل بمناجاة الله بغير واسطة، يحكم على التصرّفات بناء على ما عنده من علم، ولكن عندما شرح له صاحبه كل جوانب القصة، أدرك على الفور الحكمة التي فاتت عليه في تصرفاتٍ بدت له إجرامية، أو على الأقل إحسانا غير مبرر لمسيء، ولكنها بعد الشرح بدت أعمال خير وحكمة.

ونحن لا نعرف كامل القصة، وقد لا نعرفها في هذه الحياة الدنيا. وقد تكون الاستقصاءات حولها مضيعة وقت، وتجرّؤ خطر في إصدار الأحكام على التصرّفات الإلهية من الجاهلين.

صحيح إننا نقرأ في القرآن أن الله سبحانه وتعالى لم يعاقب من تساءل مستنكراً من الملائكة عن السبب في جعل آدم وذرّيته سادة الأرض، رغم ما علم أنه سيصدر عنهم من فساد فيها وسفك للدماء، وإنما أقنعهم عبر توضيح الصورة الكاملة عملياً، وإظهار مؤهلات آدم للخلافة، وهي العلم.

وبالتالي، يحقّ للمتسائلين أن يتساءلوا ويستغربوا حول حكمة ما يقع من قضاء، مع تذكّر بأنهم ما أوتوا من العلم إلا قليلاً. إلا أن الابتلاء الحقيقي للإنسان عند وقوع الكوارث لا يكون بالتفلسف والتنطع في تفسيراتٍ توافق الهوى، وتفتقد السند، وإنما بالعمل، فالقرآن يذكّرنا بأن الله خلق الإنسان "ليبلوكم أيكم أحسن عملاً" (ورد بصيغ متقاربة في سورة الملك وسورة الكهف وسورة هود).

وفي آية أخرى، دُعي أصحاب الديانات المختلفة أن "فاستبقوا الخيرات" (البقرة). كذلك نجد في سورة الأنعام أن تفاوت الحظوظ الدنيوية هو أيضاً ابتلاء، "ليبلوكم فيما آتاكم".

إذن الاختبار هو في العمل على أساس العلم الذي خص به آدم. والمطلوب لاجتياز الاختبار هو التسابق في الخيرات: هل قمت بواجبك، أولاً في كفّ أذاك عن الآخرين؟

هل أخذت حذرك في ألا تعرّض نفسك للعدوى أو تسبب العدوى لغيرك، وهو أضعف الإيمان؟ هل ساعدت من يحتاج المساعدة؟ هل تطوّعت مع المتطوعين في عملٍ يقلل الضرر أو يجلب الخير؟

هل دعمت بالتبرّعات العينية والمالية، أو حتى بالكلمة الطيبة، المتطوعين والعاملين في الخطوط الأمامية لدرء الوباء وإغاثة ضحايا الكوارث؟ هل تأكدت على الأقل بأن ما تنقل من أخبار ونصائح هي صحيحة أو غير ضارّة بالمتلقي؟

بعد أن يؤدّي المرء هذه الواجبات، يمكن له أن يجلس، في آخر اليوم، ليحتسي كوب الشاي أو القهوة، ويشارك في التأملات الفلسفية واللاهوتية حول غاية الكون وحكمة خالقه الحكيم الخبير.

*  د. عبد الوهاب الأفندي أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدوحة للدراسات العليا.

المصدر | العربي الجديد