رافقتني عينا داليدا اللتان تشعان حزناً وأسى، وأنا أعيد قراءة رواية «اليوم السادس» لأندريه شديد. كيف تستطيع عينان أن تختزنا كل هذا الألم الإنساني، وهما تشفّان عن أعماق الروح.

في فيلمه المقتبس عن رواية «اليوم السادس» (1986)، الذي أدت فيه داليدا دور البطولة، عرفت كاميرا يوسف شاهين كيف تلخّص الألم من خلال مرايا عيني داليدا. كأن الفنانة المصرية-الإيطالية كانت في عودتها إلى وطنها الأول تستعد للرحيل عبر انتحارها بعد عام واحد من إنجاز الفيلم.

لكن شاهين أغرق فيلمه بقصة عشق مدرّب القرد الذي يُدعى «أوكازيون» لبطلة القصة «صديقة»، وهي قصة تبدو مفتعلة ولا مكان لها في سيرة المرأة. كما أخذنا إلى عوالم الاستعراض، ما أضاع عليه وعلينا، اكتناه تجربة مقاومة الموت خلال وباء الكوليرا الذي عاشته مصر عام 1947. وهذه مسألة تحتاج إلى قراءة خاصة.

ورغم أن «اليوم السادس» كتبت بالفرنسية وصدرت عام 1960، لكنها تعتبر الرواية العربية الوحيدة التي عالجت قضايا العلاقات الإنسانية في زمن الكوليرا. (ترجم الرواية إلى العربية حمادة إبراهيم، وصدرت عن المجلس الأعلى للثقافة في مصرعام 2002).

«اليوم السادس» رواية عن الأسى والحب. استطاعت الشاعرة والروائية أندريه شديد أن تتغلغل إلى أعماق المأساة، وأن تطرح سؤال الحب، وهو السؤال الفلسفي والوجودي الكبير الذي لا نعثر عليه في رواية «الطاعون»، لألبير كامو.

المقارنة بين هاتين الروايتين ليست عادلة لكلتيهما، لأن العملين يعبّران عن مقتربين مختلفين. مقترب كامو رمزي وفلسفي يطرح أسئلة معنى الحياة، بينما ينطلق مقترب أندريه شديد من تجربة ملموسة كان فيها الحب هو المعنى الإنساني الذي يسمو على كل المعاني، ويضمها إليه.

تبدأ رواية أندريه شديد بالزيارة التي قامت بها بطلة الرواية «صديقة» إلى قريتها «بروات» التي ضربتها الكوليرا، هناك تتوالى أمام عينيها المشاهد المفجعة. ابن شقيقتها صالح يستقبلها بهذه الكلمات: «لقد وصلت بعد فوات الأوان، لا يوجد هنا أحد لاستقبالك سوى الأموات».

وفي «بروات» نكتشف مأساة المصابين الذين يُلقى بهم في معسكرات في الصحراء ويتركون للموت. كما نعاين عذابات الموتى الذين يحاول أهاليهم دفنهم بعيداً عن أعين رجال الأمن.

«…وبعد عودتها من بروات، لم تعد أم حسن كما كانت، فقد كان يلوح لها أن السماء لن تلبث أن تتصدّع فجأة».

تصدّعت السماء حين أصيب حفيدها الصغير حسن بالكوليرا و«صار قلبها يملأ فمها» كما وصفتها شديد، أو صارت ابتسامتها جرحاً، كما جاء على لسان داليدا في فيلم شاهين.

«صديقة» المرأة الكهلة التي تعمل غسّالة، وتعيش مع زوجها المشلول «سعيد»، تكتشف مرض حفيدها بعد ستة أيام من إصابة سليم، أستاذ حسن، بالوباء. سليم قال لها وهو في طريقه إلى سيارة الإسعاف: «بعد ستة أيام أكون قد شفيت، لا تنسي ما أقوله لك، في اليوم السادس إما أن نموت أو نبعث من جديد».

فكرة اليوم السادس المنتظر هي التي دفعت «صديقة» للهرب بحفيدها من أعين الناس، كي لا يساق إلى الموت الجماعي، وجعلتها تغادر البيت تاركة زوجها المشلول، وهي على اقتناع بأنها تستطيع أن تشفي حفيدها الصغير بالحب.

رحلة صديقة هي رحلة الصراع بين الحب والموت. استطاعت المرأة أن تجد لحفيدها مأوى مؤقتاً في غرفة على السطوح في عمارة اليوناني. وفي وحدتها كانت تحنو على المريض والمرض، كأن حب الحياة هو تعبير عن حبها للطفل الذي «كان يقفز في أنحاء الحي وكأنه مربوط إلى السماء بخيط خفي، ها هو الآن مقيّد في مكانه».

في العلاقة مع حسن المريض ذي العينين الأبنوسيتين، أعادت «صديقة» اكتشاف معنى وجودها، فهي منذورة للحياة، ليس دفاعاً عن بقائها فقط، بل دفاعاً عن حق حسن في الشفاء.

من أعماق وحدتها تكتشف «صديقة» أن «الآلام والدموع هي نبضات من قدرة الله»، وتصرخ بأن الظل هو مرض الشمس، «تذكّر أن الشمس تنتصر دائماً، وأنك أنت شمسي وحياتي ولا يمكن أن تموت».

في غرفة السطوح الصغيرة، نعيش مع «صديقة» الإصرار والرجاء، الخوف والتحدّي. امرأة تحاول أن تجعل الطفل المريض الذي يتلاشى بين يديها، قادراً على الصمود. لا تحمل أم حسن سوى وسيلتين للعلاج، الماء كي تطفئ عطش جسد الطفل الذي يتلوى بالألم، والحب كي تعالج عطش روحه إلى الحياة.

لحظات الوحشة في مواجهة موت الطفل المحتوم هي واحدة من أكثر لحظات الرواية إشراقاً. الشعر يحتل السرد، والمبنى التراجيدي يتصاعد كي يصل بنا في النهاية إلى لحظة التماهي بين الحياة والموت.

«وانحنى نصفها العلوي وهي تأخذ الطفل فوق ركبتيها، كان يبدو مُركّباً من بعض عصي الصفصاف الرفيعة الهشة، فجعلت المرأة من نفسها مهداً وحقل أعشاب وأرضاً طينية، وسالت ذراعاها أنهاراً حول عنق الطفل».

«أوكازيون» مدرب القرد، يظهر من جديد حين تلتقي به «صديقة» مصادفة عندما خرجت تداري وحدتها في الشارع. اكتشف «أوكازيون» وسيلة جديدة لجني المال، وهي أن يشي بالمصابين بالكوليرا لقاء مكافأة مادية تمنحها السلطة للوشاة بهدف عزل المصابين بالوباء.

يقترح «أوكازيون» على صديقة العمل معه، ويأخذها إلى أحد الأعراس، وفي طريق العودة تطلب منه المرأة أن يساعدها في استئجار قارب يعيدها إلى قريتها عارضة عليه نصف المبلغ الذي تمتلكه.

وفي القارب سوف تصل المأساة إلى ذروتها. ركبت «صديقة» النهر مع حسن، ومعها ثلاثة رجال: النوتي أبونواس، و«أوكازيون» والنوبي دسوقي. «أوكازيون» يكتشف وجود الطفل حسن في القارب ويصاب بالرعب. لكن المرأة كانت على ثقة بأن الطفل سيشفى في اليوم السادس.

اليوم الموعود اقترب وهي في المركب في طريقها إلى قريتها. وعندما أشرقت شمس اليوم السادس، وعاين «أوكازيون» موت «حسن»، نكتشف مع صراخ دسوقي وهو يحاول انتزاع «صديقة» من قلب الموت، أن المرأة دفنت الطفل في قلبها. صرخ النوبي بالمرأة: «لقد أنقذت الطفل بآخر أنفاسك». بينما كان النوتي أبو نواس يعلن أن: «الطفل سيرى البحر».

يموت «حسن»، وتستسلم «صديقة» لنعاس الموت الذي يحملها إلى حيث ترى الغلام موجوداً في كل مكان، ونستمع إلى الصوت: «الحياة، البحر… وأخيراً البحر».

«اليوم السادس» نشيد صاغته شاعرة وروائية مصرية- لبنانية- فرنسية، جاعلة من الرواية وسيلتها لإعادة اكتشاف مصر بعينيّ امرأة تعيش تفاصيل المأساة.

امرأة تروي حكاية شغفها بالطفل الذي يصارع الموت، متجاوزة الإحالات الرمزية، لأن الحب يعلو عن كل الرموز. جبلت كلماتها بالأسى، لتقدّم رواية شعرية-واقعية، عن مقاومة الفقراء للوباء بالحب الذي جعل من الموت اسماً آخر للحياة.

* إلياس خوري كاتب صحفي وروائي لبناني.

المصدر | القدس العربي