الأربعاء 8 أبريل 2020 03:47 ص

البشرية في منعطف

الأهم من النصر المنتظر على محنة كورونا أن نكون بمستوى استحقاقات كبيرة مفصلية تالية تفرضها المنعطفات الكبرى.

هناك منعطفات يصعب القول إن الإنسان وحده مسؤول عنها أو متسبب بها وبينها جوائح وأوبئة قاتلة عرفها البشر.

تتجلى نقاط الضعف عند منعطفات كبرى كالتي نعيش اليوم إحداها.. دول جبارة اقتصادياً وعسكرياً تعجز عن توفير كمامات لطواقمها الطبية.

*     *     *

لو قرأنا ما هو متيسر لنا من وقائع رئيسية في التاريخ البشري، لوجدنا أن الإنسان مر بمنعطفات كثيرة، غيّرت الكثير فيه وفي المحيط من حوله، وفي طريقة تسييره للأمور. بعض هذه المنعطفات من صنع البشر أنفسهم.

الحروب مثلاً سواء الصغيرة منها، أو الكبيرة والفاصلة كونياً، مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية ما كانت ستقوم لولا حماقات الإنسان نفسه، والأمر هنا لا يتصل بنزوات الملوك والسلاطين والجنرالات، بقدر ما يتصل بالصراع على النفوذ والثروة والاستئثار بخيرات الكوكب.

هناك منعطفات أخرى يصعب القول إن الإنسان وحده مسؤول عنها، أو متسبب فيها، وبينها تدخل الجوائح والأوبئة القاتلة التي عرفها البشر منذ أن وجدوا على ظهر الكوكب، والمؤكد أن الكائنات الحية الأخرى عانتها، سواء لاحظنا ذلك أم لم ننتبه له.

لا يقلل هذا أبداً من صحة المقولة العلمية التي ترى أن البشر هم من يصنعون تاريخهم، ولكن هؤلاء البشر حتى لو فعلوا ذلك فإنهم أيضاً نتاج البيئة التي يعيشون فيها، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، بما فيها من نقاط قوة ونقاط ضعف.

وهذه الأخيرة بالذات، أي نقاط الضعف، هي التي تتجلى عند المنعطفات الكبرى، كتلك التي نعيش اليوم واحدة منها، حيث يبدو باعثاً على الأسى والغضب أن دولاً جبارة، اقتصادياً وعسكرياً، تعجز عن توفير كمامات لأنوف وأفواه أفراد طواقمها الطبية الذين يعملون ليلاً ونهاراً في العناية بالمصابين ب«كوفيد 19».

ليست المرة الأولى التي يطرح فيها السؤال الفلسفي العميق عن مصير الحياة البشرية على كوكب الأرض، فثمة أطروحات سابقة حذّر أصحابها من موت الإنسان؛ لا بمعنى موت الأفراد الذي نعرفه، وإنما نهاية البشر ككائنات.

وأصحاب هذه الأطروحات يرون أن البشر ليسوا سوى إحدى دورات الحياة على الكوكب، وكما انقرضت الديناصورات وسواها، فليس هناك ما يضمن عدم انقراض البشر ذات يوم، الذين لا يتمتعون بيولوجياً بكثير من السمات الدفاعية التي تتسم بها الحيوانات، وتجعلها أكثر قدرة على التكيف مع الطبيعة.

دعونا من هذا كله، لنعد إلى الخانة الإيجابية المتفائلة، معولين على أن البشر، بما هم عليه من إرادة وذكاء تحتويه عقولهم، اجتازوا اختبارات سابقة لا تقلّ خطورة، واستأنفوا مسيرة الحياة التي صنعت ما ندعوه اليوم تاريخاً؛ تاريخاً في الحضارة والعلوم والثقافة..

سنخرج من المحنة الحالية منتصرين، بعون الله، لكن الأهم من هذا النصر المنتظر، هو أن نكون بمستوى الاستحقاقات الكبيرة، المفصلية، التالية، التي تفرضها المنعطفات الكبرى.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة