الخميس 9 أبريل 2020 05:08 ص

إلى أين أيتها الأخلاق؟

الوباء لم ينحسر بعد لكن الأخلاق كانت أسرع منه في الانحسار!

إلى أين يتجه بنا فيروس كورونا بكل هذه السرعة القصوى؟ وإلى متى؟

البشرية الهائلة في ركاب القرن الحادي والعشرين سائرة وراءك غير آبهين بما حولنا وغير ملتفتين إلى الوراء؟

*     *     *

إلى أين تتجه بنا، يا فيروس كورونا، بكل هذه السرعة القصوى؟ وإلى متى ونحن، البشرية الهائلة في ركاب القرن الحادي والعشرين، سائرون وراءك، غير آبهين بما وبمن حولنا وغير ملتفتين إلى الوراء، ولو لحظات قليلة؟

كمن ضلّ الطريق فجأة، ولم يجد سوى خطوات عدوه اللدود، كي يقتفيها في طريق عودته إلى نفسه، نسير وراء الفيروس في خطواته السريعة إلى المجهول، ونحن نظن، ربما، أننا في طريقنا إلى البيت الأول، حيث الداء والدواء، وحيث الشفاء.

نسير فرادى وجماعاتٍ ودولاً أيضا، لنكتشف أن الفيروس الذي لفرط عدالته يخبط خبط عشواء، ويترك لنا خرائطنا في الانتقاء، والبحث عن مصيرٍ مناسب، وفقا لاعتبارات الجنسية والسن والعرق، وغيرها من اعتباراتٍ لا تؤثر على المرض، ولا على العلاج أساسا، ولكنها تؤثر على متخذ القرار، وهو يحاول النجاة من المرض أو الموت على الأقل!

يتحدثون في الغرب عن فرص أكبر للنجاة لدى صغار السن والشباب، وبالتالي على المسنين أن يدركوا تلك الحقيقة، فلا يطالبوا بأجهزة تنفس تمدّ أعمارهم بضعة أشهر، أو سنوات، على سرير العالة والحاجة.

أجهزة التنفس قليلة، مقارنة بسرعة تقدّم المرض، وانتشار الفيروس الرهيب في أزقة الكرة الأرضية، وبالتالي ينبغي أن يكون للشباب القادرين على الإنتاج، إن نجوا، فرصتهم الأولى في الحصول على تلك الأجهزة! حديثٌ قاس جدا يسمعه المسنّون، بلا حول منهم ولا قوة ولا خيارات حقيقية. تلك صورة من صور الأخلاق في معانيها الجديدة في زمن كورونا، وهناك صور أخرى كثيرة.

تستولي أميركا على شحنة أقنعة طبية من الصين، كانت موجهة إلى فرنسا عبر شرائها بثلاثة أضعاف ثمنها الأصلي الذي كانت قد استعدّت فرنسا لدفعه!

وفرنسا نفسها سمحت لنفسها أن تصادر شحنةً مماثلةً مخصصةً لبريطانيا!

وجمهورية التشيك تستحوذ على شحنة أجهزة تنفس كانت موجهة من الصين في طريقها إلى إيطاليا!

وإيطاليا بدورها قرصنت باخرة محمّلة بشحنة كحول طبية كانت تعبر البحار والمحيطات إلى تونس!

هذا ما أعلن عنه، وحبل هذه الأخبار على الجرّار، فالوباء لم ينحسر بعد، لكن الأخلاق كانت أسرع منه في الانحسار! الأخلاق كما نعرفها في السابق، وكما تواضعنا على توصيفها وتعريفها طبعا. ولكن لزمن كورونا رأي آخر في التوصيف وفي التعريف، فبدت تلك الأخبار كأنها من القصص الخيالية.

دول تستولي على شحنات طبية في طريقها إلى دول أخرى، في سياق الحرب المستمرة على فيروس كورونا في العالم. خبر تكرّر هذا الشهر مرّات، وشاركت فيه بلدان مختلفة في سلوك أعاد لنا سؤال الأخلاق، ومعناها الحقيقي على صعيد الدول والجماعات والأفراد أيضا.

الغريب أن كل الدول التي أقدمت على قرصنة (وخطف) شحنات الأدوية والكمّامات والقفازات الطبية التي كانت في طريقها إلى بلدان أخرى سبق أن تعاقدت على شرائها من بلدان المنشأ، فعلت ذلك أيضا باسم الأخلاق التي تحتم عليها تطبيب المرضى من شعوبها ووقايتهم من الفيروس القاتل.

وحده الفيروس الذي بدأ عارفا حدود اللعبة الأخلاقية ما بين الدول والأفراد، ووحده تصرّف بحدود معرفته الأخلاقية، فهو على الأقل لم يفرّق بين دول وأخرى، ولا بين شعب وآخر، ولا حتى بين فرد وآخر.

الكل سواسية أمام جبروت الجنرال كوفيد ذي الرتبة 19، والكل خاضعٌ لاحتمالات الإصابة والخوف من الإصابة، ما حتم على هذا الكل تقريبا إعادة النظر حتى في منظومته الأخلاقية.. التي من الواضح أنها بدأت تتغيّر، إن لم نقل تنهار، أمام ناظري هذا الجنرال المهيمن.

* سعدية مفرح شاعرة وكاتبة وصحفية كويتية

المصدر | العربي الجديد