الخميس 9 أبريل 2020 06:58 ص

تساؤلات بين زمنين

هل دخلنا بسبب الفيروس زمن البقاء للأفضل؟ أم أن البقاء للأصح و للأقدر؟

ستطرح أسئلة عن أسباب ضياع عقود من الطب والبحث والتعليم الهادفة لإنقاذ الحياة؟

لن يعود كل شيء كما كان فالفيروس لن يخلي الساحة قريبا بل قد تخف وطأته ثم يعود ثم تخف ثانية ثم يعود.

سنبقى هكذا حتى اكتشاف علاج وتطوير لقاح الذي يسمح للناس بالاختلاط بلا عدوى بانتظار فيروس آخر يغزو البشرية.

ستعود الحياة الطبيعية ببطء وتخوف سيعود كل شيء بخجل بأماكن دون أماكن وضواحي دون ضواح وفي مدن دون أخرى.

*     *     *

مع انتشار كورونا تغيرت حياة الناس بين ليلة وضحاها. فقد انتشر الفيروس في كل مكان وكأنه غلاف كوني أحاط بالناس في كل أرجاء المعمورة. وللفيروس الجديد والمتحول لغة خاصة كاشفة لخطايانا وقصورنا، اذ ينبئنا كل يوم عن الفوضى التي تكمن في أنظمتنا وإداراتنا ومعارفنا.

فقد أوقف الفيروس حضارتنا التي اعتمدت على رؤوس الاموال الضخمة المحركة للمطارات والقطارات والبورصات والصناعات والاساطيل بل والمحركة للجامعات والمؤسسات في الشرق والغرب.

وبسبب كل الاختراقات التي سببها الفيروس يقف العالم مصدوما، وهو بالطبع لن يخرج من الصدمة قبل معرفة أسباب السقوط في وحل الجمود والشلل.

في خضم ما يقع عادت إلينا أسئلة القيم، وكأن العالم نسي وجودها في حمى جمع الاموال وإطالة ساعات العمل. فهناك من قضى كل حياته في العمل والإنجاز، وهناك من قضى حياته مسافرا وهو الآن في غرفة مكونة من عدة جدران يصعب تركها.

وهناك من راقب كل يوم صعود هذه البورصة أو تلك بينما يراقب الآن أطفاله ويتحدث معهم كما لم يتحدث من قبل. انقلبت المفاهيم ايضا.

ففي المجتمعات في الشرق والغرب حيث أصبحت الفردية أساس الحضارة إذا بالعائلة في المركز الأول وفوق كل المراكز. فقد اختبأ كل الناس وراء الجدران الضيقة و وسط غرف المعيشة والطعام بحثا عن الأمان في أضيق نطاق وإطار.

بفضل الفيروس سقطت فجأة قيم المال، وانهارت بعض أكبر الشركات الخاصة، بينما تجمدت البنوك، وتمددت الديون و هامت دول كبرى بحثا عن ضحايا تدفعهم ثمن الفوضى يسبب ضعف التحضير للأزمات.

أصبحت حياة الناس في مهب الريح، فمن يعمل، مهما كان عمله بسيطا، أصبح بلا عمل، و من لديه التزام أصبح بلا التزام، كل شيء تأجل لأجل غير مسمى.

لقد صدمت تطورات 2020 العولمة المنطلقة في الربع الأخير من القرن العشرين. تلك العولمة التي بشرت بانتشار الناس في طول وعرض الكون تواجه أكبر اعصار منذ انطلاقتها.

لقد بدأت الناس تعود لأوطانها بأعداد كبيرة، ولم يعد من يعمل ويدرس في مكان كاسبانيا او إيطاليا قادرا على البقاء بسهولة، بدأ العمال والعاملون في دول شتى بالعودة لبلدانهم حيث أسرهم وحيث حاجتهم للحماية من الداء. هذا وقع مع الأزمة وسيستمر بعد اختفاء الفيروس.

لكن عودة الناس لبلدانها سيزيدها تكدسا و سيطرح عليها مسؤوليات جديدة. ففي كل مكان تعود اليه الناس ستسأل: أين الاستعداد لاستقبالنا، أين هو الوطن، وماذا حل به؟ ستسأل الناس عن مدى استعداد الأوطان لاستقبال مجتمعاتها المهاجرة، وستتساءل عن مدى توفر أساس للبناء والأعمال.

ستسأل الناس عن الاقتصاد المسائل، وعن القرارات العشوائية، وعن الاستفراد وغياب الحس الوطني والإنساني الذي يحمي المجتمع واقتصاده ومستقبله، بل ستتساءل المجتمعات عن غياب قيم العدالة التي تسمح بالتعلم من الأخطاء ومواجهة الفساد وبناء الجديد.

بسبب الفيروس وضعت الناس الأقنعة على الوجه وبدأ التباعد الاجتماعي الذي لم تعرف له البشرية مثيلا على مدى أكثر من قرن. هذا التباعد الاجتماعي بدأ بعد عقود من سقوط الحواجز بين الشعوب والناس والفئات.

تسير في الشارع وإذا الذي أمامك يتجنبك بالسير بعيدا عنك. في السابق ربما لمس كتفه كتفك وزاحمك على نفس المسار، أما اليوم فيعطيك كل المساحة خوفا من أن تكون حاملا فيروس قد يدمر حياته وبأخذه نحو حالة مرضية فتاكة.

وهل يؤدي وضع كهذا لزيادة جرعة للتسامح بين الناس أم لتعميق للعصبية والخوف من الآخر؟

في المستشفيات تتفانى الطواقم الطبية في الدفاع عن المرضى، بينما الأطباء والممرضون والممرضات في مواقع أمامية دفاعا عن الحياة. أما في المجتمع فترتفع حالات العنصرية و التفرقة.

سيقول البعض إن الفيروس قادم من الحي الثاني، وإنه قادم من تلك الدولة كما صرح ترامب مرات عديدة عن الصين. مع الشعور بالخطر تزداد التصنيفات عنفا خاصة وإن الفيروس سينتشر في المناطق الأكثر اكتظاظا وفي المناطق الشعبية والعمالية.

لكنه سينتشر ايضا في الدول والمجتمعات التي لم تحضر نفسها لهذه الأزمة ولم تأخذ الاحتياطات اللازمة. أزمة كهذه ستخرج للسطح مخاوف الناس من الآخر.

لقد اختفى كبار السن من الشوارع. فالفيروس يهاجمهم بلا هوادة، فمن تجاوز الستين ثم السبعين هو هدف واضح للفيروس. فهل دخلنا بسبب الفيروس زمن البقاء للأفضل؟. او أن البقاء للأصح و للأقدر؟ وستطرح الأسئلة عن تلك الأسباب التي أضاعت عقود من الطب والبحث والتعليم الهادفة لإنقاذ الحياة؟

أسئلة الأزمة أكثر من أجوبتها، إذ ستعود الحياة الطبيعية وحالة السفر، لكن ببطء، وتخوف. سيعود كل شيء بخجل في أماكن دون أماكن، وفي ضواحي دون ضواح، وفي مدن دون أخرى.

لن يعود كل شيء كما كان. فالفيروس لن يخلي الساحة في شهر أو شهرين. بل قد تخف وطأته، ثم يعود ثم تخف وطأته ثانية ثم يعود، وسنبقي هكذا الى أن يكتشف العلاج ويطور اللقاح الذي يسمح للناس بالاختلاط بلا عدوى بانتظار فيروس آخر يغزو البشرية.

* د. شفيق ناظم الغبرا أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت

المصدر | القدس العربي