الخميس 9 أبريل 2020 03:48 م

يسلط التسابق المحموم بين دول العالم، على إيجاد لقاح لعلاج فيروس "كورونا" المستجد، الضوء على تأزم وضعية البحث العلمي في دول الخليج، وحجم الإنفاق المخصص له، مقارنة بمجالات أخرى مثل الدفاع والتسليح.

ويضع "كورونا" دول المنطقة، أمام تحد كبير، يتعلق بقدرتها على الاكتشاف المبكر للمرض، والوقاية منه، والتوصل إلى مصل فاعل لمواجهته، بدلا من انتظار ما تنتجه الآلة الغربية، وتكبد فاتورة استيراد باهظة.

ووفق بيانات البنك الدولي لعام 2016، فإن نسبة الإنفاق على البحث العلمي من الناتج المحلي الإجمالي في العالم العربي تقل عن نسبة 1%، وهي نسبة متدنية خاصة إذا قورنت بحجم إنفاق الدول العربية على ورادات الأسلحة.

مرتبة متأخرة

تحتل دول الخليج، مراكز متدنية نسبيا على قائمة مؤشر الابتكار العالمي "global innovation index"، المعروف اختصارا"GII"، حيث جاءت الإمارات فى المركز 36، والكويت فى المركز 60، وقطر في المركز الـ65.

بينما حلت السعودية فى المركز 68، والبحرين فى المركز 78، وسلطنة عمان في المركز الـ80، بحسب بيانات المؤشر الذى أعدته منظمة حماية حقوق الملكية الفكرية "WIPO" (هيئة تابعة للأمم المتحدة).

ويتكون مجموع درجات المؤشر البالغ 100 درجة من 5 معايير، منها وجود مؤسسات معنية بالابتكار وتوافر الكوادر البشرية ووجود بنية تحتية متطورة، وتطور السوق.

خليجيا، لا تظهر سوى دولتين خليجيتين فقط ضمن قائمة الدول الأربعين الأكثر إنفاقا على البحث العلمي في العالم، وهي قطر في المرتبة الـ26، والسعودية في المرتبة الـ32، بحسب دوريات علمية، وفق البيانات الصادرة عام 2016.

ويفيد مسح أجرته "منظمة المجتمع العلمي العربي" حول الإنتاج البحثي لدول مجلس التعاون بين عامي 2006 و2015، أن العدد الكلي للأوراق العلمية المنشورة في دول الخليج مجتمعة، لم يتجاوز خلال 10 سنوات، حاجز المائة ألف ورقة بحثية.

إنفاق متدن

يمكن القول أيضا، إن أزمة "كورونا" كشفت غيابا لافتا للمراكز البحثية والعلمية في المنطقة، على مستوى الخطاب الرسمي والتوعوي، رغم كونها جزء من المنظومة الحكومية، ما يؤكد ضعف بنيتها وتأثيرها.

وتغيب المراكز البحثية في منطقة الخليج، عن الاهتمام بالمجالات الحيوية وحالات الطوارئ الوبائية، والتقنيات الحديثة في مجالات الاكتشاف المبكر، والطب الوقائي، وتكنولوجيا صناعة الدواء والأجهزة الطبية.

وترصد ورقة بحثية صادرة عن المركز الموريتاني للبحوث والدراسات "مبدأ"، مأزق البحث العلمي في الدول العربية مؤكدة إن مقارنة ميزانية البحث العلمي مع ميزانية الأمن والسلاح، تكفي لمعرفة الهوة التي تعيشها المراكز البحثية في المنطقة العربية.

ويكشف حجم الإنفاق الخليجي على البحث العلمي، المرتبة المنخفضة لهذا القطاع في أولويات الأنظمة الحاكمة، حيث أنفقت السعودية 0.82% من الناتج المحلي على البحث العلمي والتطوير، فيما أنفقت الإمارات 0.96%، وقطر 0.51%، والكويت 0.08%، وعمان 0.22%، والبحرين 0.10% فقط، بحسب بيانات منظمة "اليونيسكو".

مقارنة بذلك، تبلغ ميزانية البحث العلمي في الولايات المتحدة، 2.6% من الناتج الإجمالي، وتتراوح في كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة بين 3 و5.2% سنويا.

وفي خضم السباق المحموم؛ لاكتشاف مصل لعلاج "كورونا"، تغيب الدول الخليجية عن قائمة الدول العشر الأكثر إنفاقا على مشروعات البحث والتطوير، بينما تعد السعودية الأولى عالميا على قائمة الدول المستوردة للسلاح، بينما تحل الإمارات في المركز السابع، وفق "معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام" (سيبري).

يشار إلى أن الولايات المتحدة، أنفقت على مشروعات البحث والتطوير، في 2017، نحو 511 مليار دولار، تلتها الصين بواقع 452 مليار دولار، ثم اليابان 166 مليار دولار، وألمانيا 119 مليار دولار، وكوريا الجنوبية 78 مليار دولار، وفرنسا 62 مليارا، والهند 50 مليارا، وبريطانيا 48، والبرازيل41، فيما تحل روسيا في المركز العاشر بـ37 مليار دولار.

نقص بشري

وتعاني دول الخليج، كذلك، ضعفا في الموادر البشرية، بشكل كمي وكيفي، مع استمرار الضعف في الإقبال على البحث والتطوير، فضلا عن النسبة المتدنية للباحثين المتخصصين والمبتكرين مقارنة مع المعدلات العالمية.

ويترتب على النقص الحاد في الكوادر البشرية، تراجع إنتاجية قطاع البحث العلمي والابتكار في الدول الخليجية، ما يؤثر سلبا على انتقال اقتصادات الخليج نحو اقتصادات التنمية والمعرفة.

وتشير بيانات "اليونيسكو" إلى تراجع عدد الباحثين بالنسبة لعدد السكان في دول الخليج، حيث يبلغ عددهم نحو 2400 باحث لكل مليون نسمة في الامارات، و603 باحث لكل مليون نسمة في قطر، و385 باحثا في الكويت، و369 باحثا في البحرين، و230 باحثا في الكويت، و216 باحثا لكل مليون نسمة في سلطة عمان.

وتفيد دراسة صادرة عن جامعة الدول العربية العام 2006، أن كل مليون مواطن عربي يقابلهم 318 باحثا، في حين يصل المعدل في أوروبا إلى 4500 باحث لكل مليون شخص.

ولم تفلح سياسة الابتعاث التي تنفذها حكومات الخليج في ردم هذه الهوة، حيث يختار نسبة كبيرة من المبتعثين مواصلة عملهم في الخارج، لعدم وجود حوافز أو إمكانات بحثية متطورة في بلدانهم.

تحدي "كورونا"

وسط أجواء الترقب الذي يسيطر على العالم، تتجه الأنظار إلى الصين وأمريكا وروسيا وألمانيا وفرنسا في انتظار الحل، دون أن تبزغ على الخارطة أي دولة عربية، أو خليجية تمتلك محاولات جادة لتصنيع العقار المنتظر عالميا.

وتخصص الولايات المتحدة، 3 مليارات دولار لأبحاث اللقاحات فقط، بينما تعهدت الحكومة البريطانية بـ52 مليون دولار لإنتاج لقاح للفيروس، وخصصت كندا 25 مليون دولار للمساعدة في أبحاث "كورونا".

والشهر الماضي، أعلنت المفوضية الأوروبية، عن تخصيص تمويل بقيمة 80 مليون يورو لشركة الأدوية الألمانية "كيورفاك"، التي تجري أبحاثا حيوية بهدف تطوير لقاح مضاد لفيروس "كورونا".

ويعمل مختبر "VirPath" في فرنسا، على إجراء تجارب مخبرية باستعمال أدوية موجودة سابقا على فيروس "كورونا" ويجري التحقق من مدى نجاعتها.

ويجري العمل حاليا على تطوير أكثر من 20 لقاحا، لاختبار مدى كفاءتها وتأثيرها على البشر، وأغلب تلك المحاولات تتم في دول غربية وآسيوية متقدمة، وليس من بينها دولة عربية أو خليجية.

المصدر | الخليج الجديد