الأربعاء 15 أبريل 2020 05:52 ص

الانتهازية فعلاً أخلاقياً للطغاة

طمع السيسي في "الأرز" الصيني ولو كان قروضاً بحجم أربعة مليارات دولار.

الصين أكبر المستثمرين الأجانب في معظم مشروعات السيسي الكبرى التي يقوم بها ويستخدمها لترويج نفسه.  

السيسي عالق مع إيطاليا في ملف قتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني وتعذيبه بأيدي رجال الأمن المصري.

رائحة الانتهازية والتسييس تفوج من زيارة الوزيرة المصرية لإيطاليا وطغت على رائحة جثث ضحايا فيروس كورونا.

"أخلاقية السيسي المفتعلة" التي لا يخفيها بل يصرّ على إظهارها كلما حانت له فرصة جزء أصيل متجذر من شخصيته وطبيعته وسلوكه.

*     *     *

لا ضير في أن يرسل الجنرال عبد الفتاح السيسي طائرتين محملتين بالمساعدات الطبية لإيطاليا التي تواجه كارثة صحية وإنسانية، نجمت عن فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19).

ولا عجب في أن يأمر، قبلها بأسابيع، وزيرة الصحة لديه، هالة زايد، في مفارقةٍ غريبة، بزيارة الصين التي خرج منها الوباء المستعصي، بدعوى "إبراز التضامن مع أهل ذلك البلد"، في مواجهة الفيروس القاتل.

ولا مشكلة، ربما، في أن يدّعي إعلامه وأنصاره، تراجع أعداد المصابين والمتوفين من الفيروس في البلدين الموبوءين بعد أن زارتهما الوزيرة المذكورة، وإشارة بعضهم إلى أن مصر أعطتهما لقاحاً خاصاً ساهم في الوصول إلى تلك النتيجة.

ولكن المشكلة، وهي قطعاً لا تبدو كذلك بالنسبة للسيسي وأنصاره، تصوير هذه الزيارات والمساعدات الطبية وتغليفها بوصفها فعلاً أخلاقياً محضاً يصل إلى حد الطهارة والتنزيه، في حين أنها، وببساطة، فعلٌ سياسيٌّ محض، غارق في الانتهازية والافتعال الرخيص.

وكان في وسع الأنصار، وبدون الإفراط في التزلّف والتبرير، أن يعتبروا هذه الزيارات من باب "الذكاء السياسي والاستراتيجي" للسيسي، أو أن يعتبروها، مثلما تفتّق ذهن أحد من يوصفون في الإعلام المصري بـ"المفكر البارز" (وهو صحافي هاوِ لم يمارس المهنة إلا قليلاً، ولكنه من الأبناء المخلصين للدولة العميقة)، من أعمال "الدبلوماسية الطبية"، فهذا أرحم وألطف وأكثر إبداعاً.

وليس الأمر في حاجة لعبقرية استثنائية، أو ذكاء شديد، لكشف هذا الزيف والادّعاء الأخلاقي المفتعل وتعريتهما، فبحث سريع على الإنترنت يكشف، بسهولة، أن زيارة الصين كانت سياسية واقتصادية بامتياز، وإنْ ظاهرها هو التضامن وتقديم المساعدة.

(لا يتمالك المرء نفسه من الضحك كلما قرأ عناوين الصحف المصرية في هذا الخصوص)، فالصين هي أكبر شريك تجاري لمصر، وقد تجاوزت في ذلك الولايات المتحدة التي ظلت عقودا الشريك التجاري الأول لمصر.

كذلك سوف نكتشف أن الصين من أكبر المستثمرين الأجانب في معظم المشروعات الكبرى التي يقوم بها السيسي، ويستخدمها لترويج نفسه، وأهمها العاصمة الإدارية الجديدة، ومحور قناة السويس، ومدينة العلمين، وخطوط الكهرباء، مثل خط القطار الكهربائي "السلام – العاصمة الإدارية – العاشر" مع شركة "أفيك" الصينية باستثمارات 1.2 مليار دولار.

ناهيك عن الاستثمارات الصينية في قطاعات التكنولوجيا والقطاعات الخدمية والزراعية والسياحية.. إلخ. كما أنه ليس غريباً أن تُعقد سبع قمم رئاسية بين السيسي ونظيره الصيني، شي جين بينغ، في أقل من ست سنوات، وهي النسبة الأعلى للزيارات المتبادلة بين أي رئيس مصري ونظيره الصيني.

ليس الأمر، قطعاً، حباً في الطعام الصيني، أو ما شابه، لكنه طمع في "الأرز" الصيني، ولو كان في شكل قروض وديون وصل حجمها إلى حوالي أربعة مليارات دولار، ما جعل الصين تتصدر قائمة الدول الدائنة لمصر التي وصل حجم ديونها الخارجية عتبة مائة مليار دولار، هي الأعلى في تاريخ مصر الحديث.

ويبدو الأمر أكثر فجاجةً في الحالة الإيطالية، فرائحة الانتهازية والتسييس التي تفوح من زيارة الوزيرة المصرية روما طغت على رائحة جثث ضحايا فيروس كورونا في إيطاليا!

فالسيسي عالق مع الحكومة الإيطالية في عدة ملفات، أهمها قتل الطالب الإيطالي، جوليو ريجيني، وتعذيبه على أيدي رجال الأمن المصري، والمطالبات الإيطالية المتزايدة بمحاكمة المتهمين الحقيقيين في القضية والذين قد يكون من بينهم نجل السيسي شخصياً، بحسب بعض التقارير.

ناهيك عن الاستثمارات الإيطالية في قطاعات الطاقة المصرية، والتي تعد الأكبر بين نظيرتها الأوروبية. وكذلك محاولة تجيير الموقف الإيطالي في الأزمة الليبية لصالح الموقف المصري.

بمعنى آخر، هناك سلة من المكاسب السياسية التي يحاول السيسي حصدها في استغلاله مأساة كورونا، ومحاولة تصوير نفسه أنه يفعل هذا من قبيل التضامن الإنساني مع ضحاياه الإيطاليين.

ولم يكن مفاجئاً ما كشفته صحيفة "العربي الجديد" عن اتصالاتٍ بين السيسي وقادة من تيار اليمين المتطرّف في إيطاليا، وكانت سبباً في ترتيب زيارة الوزيرة.

وحقيقة الأمر، "أخلاقية السيسي المفتعلة"، والتي لا يخفيها، بل يصرّ على إظهارها كلما حانت له الفرصة، جزء أصيل من شخصيته، ومتجذّرة في طبيعته ونمط سلوكه، وتبدو كما لو كانت أمراً عادياً بالنسبة له.

وقد رأيناها وخبرناها منذ ظهر على الساحة المصرية إبّان ثورة 25 يناير. وهي تعكس انقساماً وانفصاماً حادّاً في شخصيته، حيث يبدو الرجل وكأنما يعيش بشخصيتين مزدوجتين، إحداهما مزّيفة تدّعي النزاهة والطهورية والورع والأخلاق والحكمة، يجتهد في إظهارها للملأ، خصوصا في الخارج، وأخرى شيطانية منحطّة، تفضحها أفعاله وسياساته في الداخل المصري.

والحديث هنا لا ينصرف إلى الوضع السياسي المأساوي الذي تعيشه البلاد منذ قفز السيسي إلى السلطة بانقلابه العسكري عام 2013، وإنما في أقرب الأحداث والمناسبات، وهي جائحة كورونا التي تقع فصولها أمام أعيننا.

ففي وقتٍ يرسل فيها السيسي مساعداتٍ طبية إلى الصين وإيطاليا، وهو أمر حميد ومطلوب، إذا كان هدفه الحقيقي المساعدة والتضامن الإنساني فحسب، تعاني مؤسسات بلاده الطبية من نقص حاد في هذه المساعدات.

وهذا ما تكشف عنه الحالات التي يتم اكتشاف إصابتها بالفيروس بين الأطباء الذين يفتقدون معدّات الحماية الأساسية. ناهيك عن نقص الخدمات الطبية الأساسية، وتآكل البنية التحتية للمؤسسات الطبية العامة، كالمستشفيات والوحدات الصحية، خصوصا في الريف والأقاليم، فضلاً عن عدم الاستجابة لاستغاثات آلاف المصريين العالقين في الخارج ونداءاتهم، وهم يرغبون في العودة إلى بلدهم. وتحميل تكلفة الحجْر الصحي أسبوعين على كاهل من عادوا من الخارج أخيراً (قبل التراجع جزئيا عن هذا).

وهي الانتهازية التي جعلت السيسي يساوم رجال الأعمال الذين يرفضون الحظر التام على أنشطتهم الاقتصادية لوقف انتشار الفيروس في مقابل تقديم تبرّعات بمئات الملايين من الدولارات لصندق "تحيا مصر" الذي يشرف عليه السيسي.

وهي الانتهازية والانحطاط التي "يعاير" بها السيسي شعبه ومؤيديه، حين "يذكرّهم" و"يمون" عليهم في كل مرة يشتكون فيها من وطأة العيش بأنه أنقذهم من "حكم الأشرار"، وهكذا.

لن يذكر التاريخ زيارتي الوزيرة المصرية بكين وروما بوصفهما فعلاً تضامنياً إنسانياً، على نحو ما يروّج إعلام السيسي ويتمنّى، ولكنه سيذكر حتماً حجم الضحايا من المصريين الذين سقطوا، ولا يزالون، نتيجة فشل مؤسسات نظامه وتخبطها وانحطاطها في التعامل معهم، في ظل هذه الجائحة التاريخية.

* د. خليل العناني أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدوحة للدراسات العليا.

المصدر | العربي الجديد