السبت 9 مايو 2020 05:19 ص

العبث بطرابلس.. من، ولماذا؟

يبدو أن البلاد بأكملها تسير نحو مصير طرابلس ذاك نفسه. مبروك!

من يستبيح طرابلس؟ وكيف يمكن لذلك أن يخدم أيّة جهة سياسية أو أمنية؟

خيّم صمت مطبق على المسئولين، وعلى مَنْ يضجّ عادة بالمواقف وبالطموحات. فهل هو تواطؤ أم عدم اكتراث؟

المدينة منكوبة منذ زمن ونداءات أبنائها لا تلقى آذاناً صاغية أو التفاتاً وكأن من بيده فعل شيء يقول في قرارة نفسه "فلتذهب إلى الجحيم"!  

أليس ذلك مؤشراً خطيراً على تفكك النسيج الاجتماعي لمكان مديني بامتياز كان يفخر بامتلاكه لحمة متينة وأصيلة ويفخر "وجهاؤه" بالانتماء إليه منبتا وجذورا.

*      *      *

يميل كل من يرى ويسمع ما يجري في طرابلس لبنان، ثاني أكبر مدن البلاد، والحاضرة العريقة، إلى البحث عن تفسير وعن دلالات وعن مخططات، وعن قوى... إلى آخر ما ينتمي إلى العقلانية أو الغائية التي تقف خلف كل شيء، أو يفترض بها أنها كذلك.

ولكن، وبإزاء الوقائع كما تجري، فلا يبدو أن المرء يملك سوى ملاحظتها وتسجيلها، يرافقهما كمٌّ كبير من الأسئلة فحسب، من دون حتى المغامرة ببعض الفرضيات..

من هم الذين يطلقون الرصاص في الهواء كل ليلة من نوافذ سيارات تجول في كل شوارع المدينة؟ من هم الفتية الذين يشتبكون كل ليلة في الحواري المقفرة والمنسية، فيسقط منهم جرحى (أو لا يسقط، حسب الحظ). ولماذا يفعلون ذلك؟ ومن يزودهم بالسلاح والعتاد؟

بينما هم وأهاليهم يتضورون جوعاً بالمعنى الحرفي للكلمة، ويسكنون في بيوت آيلة للسقوط، متكدسين في غرف ضيقة، متخلعة من كل صوب، تنهشها الرطوبة ويخنقها العفن.. متعاطين لمواد مهلوسة، أو لحبوب مخدرة رخيصة الثمن سبقهم أخوتهم الكبار إليها وحتى آباؤهم..

كيف لمدينة تجاوز تعدادها الـ 800 ألف شخص، نصفهم من المعدمين، ونصف النصف الآخر من الفقراء، كيف لها أن تعيش حياة "طبيعية"، حتى لو ارتضت انفصاماً تمارسه كل الوقت، بحيث يمكن رسم خط على خارطتها يشقها عرضاً، يبيّن الأحياء البائسة وهي الأوسع والأكثف، من تلك المعقولة أو المترفة؟

وبينما يغزو المعدمون أحياء سواهم من "الناس غير شِكِل"، متنزهين فيها بشكل استفزازي في أغلب الأحيان، فإن العكس ليس صحيحاً. فهناك مناطق بأكملها لا يطؤها إلا أبناؤها ويجهلها تماماً الآخرون.

وقد اقتصد أهل المدينة ممن يصنَّفون كميسورين أو حتى كمستورين، اقتصدوا في حركتهم، لا يخرجون من دوائر معينة، وينتقلون بسياراتهم وليس سيراً على الأقدام.

من يوزع السلاح والعتاد والمخدرات وبعض الليرات القليلة، التي تتحول فوضى وقطع طرقات وإنذاراً بالأعظم الآتي.. ومن أجل ماذا؟ فالأمر الجاري يتجاوز مجرد نتائج الضجر أو الفراغ. هذه ممارسات مكلفة، فمن يغطي كلفتها، وماذا يريد؟

ثمة وجوه تنبت على وسائل التواصل الاجتماعي، وأسهلها "واتساب"، تنبئنا بأن "أحداثاً" وشيكة ستحل، وتندفع إلى تعيين تواريخ. صاروا نجوماً يعرف الكل أسماءهم ويتطيرون مما يعلنون. من هؤلاء، ومع من يعملون، ومن يمول حركتهم، ومن يغطي عليها أمنياً لتصبح ممكنة؟

من نظّم الهجوم في الأسبوع الماضي على بنوك بعينها، فقام بتدميرها حتى آخر بلاطة في آخر حمام فيها، بينما لم تُمس بنوك أخرى حتى ولا بخدش صغير، مع انها تشترك جميعاً في الضنك الذي يعاني منه المواطنون. من وضع لائحة البنوك، وقرر مصائرها، ورتّب المجموعات الموكلة بها؟

وقد صدر بيان عن الهيئات الثقافية في المدينة (التي باتت قليلة جداً) يدين الحال، ويستنكر استمراره لأنه تحوّل من عرض عابر إلى ظاهرة مهدّدة.

لكن السلطات اللبنانية لم تنبس ببنت شفة، وكذلك خيّم صمت مطبق على نواب هذه المدينة، وحتى على بلديتها والأجهزة الأمنية فيها، وهي عديدة ونافذة، وأشاح ببصره من يضجّ عادة بالمواقف وبالطموحات.. فهل هو تواطؤ أم عدم اكتراث؟

وفي الحالتين أفليس مؤشراً خطيراً على مستوى تفكك النسيج الاجتماعي لمدينة ظلت على مر الزمن تفخر بامتلاكها للحمة داخلية متينة وأصيلة، مؤسسة على انماط من الانتاج تعزز ذلك، ويفخر "وجهاؤها" بانهم ينتمون اليها وليسوا بلا منبت ولا جذور. في طرابلس آلاف الوقفيات (للقطط السائبة، للصحن المكسور حتى لا يُضرب الصبي الذي تسبب بكسره، لفقراء العائلة، للتعليم، للمريض، للمتعسر الخ) التي تفصح عن وجود ذلك الاهتمام بالشأن العام، وإنْ وفق تعريف سابق على الحداثة. أين هم؟ وكيف اضمحلوا ولم يبقَ منهم إلا تفاخر فارغ ب"العائلات"..

من يستبيح طرابلس؟ وكيف يمكن لذلك أن يخدم أيّة جهة سياسية أو أمنية؟ المدينة منكوبة منذ زمن.

وكانت نداءات أبنائها لاعتبارها كذلك، ولوضع بعض الخطط الاقتصادية والعمرانية المخصصة لها، وحتى لاتخاذ التدابير العملية لإسنادها بشكل استثنائي وطارئ، لا تلقى آذاناً صاغية أو التفاتاً!

وكأن من بيده أن يفعل شيئاً يقول في قرارة نفسه "فلتذهب إلى الجحيم". واليوم، يبدو أن البلاد بأكملها تسير نحو مصير طرابلس ذاك نفسه. مبروك!

* نهلة الشهال كاتبة وناشطة لبنانية رئيسة تحرير "السفير العربي".

المصدر | السفير العربي