الأربعاء 13 مايو 2020 09:56 م

لم تكن مشاركة الإمارات في بيان يدين تحركات تركيا شرقي البحر المتوسط وليبيا، سوى حلقة من مسلسل عداء أبوظبي المتصاعد ضد أنقرة خلال السنوات الأخيرة.

ويتهم البيان الموقع عليه من قبل الإمارات ومصر وفرنسا واليونان وقبرص الرومية، تركيا، بتهديد الاستقرار الإقليمي في المنطقة.

من جانبه، رد وزير الخارجية التركي "جاويش أوغلو"، في تصريحات متلفزة، باتهام الإمارات ومصر ودول أخرى بجلب الفوضى للمنطقة، قائلا: "إذا كنت تسأل من الذي يزعزع استقرار هذه المنطقة، من الذي يجلب الفوضى، فسنقول الإمارات دون تردد".

اللافت أن الإمارات ليست من دول البحر المتوسط، كما أنها لا تعد من دول الجوار الليبي، ولا يوجد تماس لها من الأساس مع الأزمة الليبية؛ لذلك فإن مشاركتها في البيان المشار إليه تكشف الكثير من أوجه الصراع بين أبوظبي وأنقرة في ملفات عدة، وتعكس تعارض الأجندات الإقليمية والمصالح الاستراتيجية لكل منهما.

  • الملف الليبي

يتصدر الملف الليبي الصراع المحتدم حاليا بين البلدين؛ لذلك فإنه كان محورا للبيان الخماسي المثير للجدل الذي وقعت عليه أبوظبي، والذي انتقد مذكرة التفاهم بشأن ترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط، واتفاقية التعاون الأمني والعسكري بين أنقرة وطرابلس.

وجاء البيان بعد فترة قليلة من الهزائم العسكرية التي تلقاها حليف أبوظبي والقاهرة وباريس، الجنرال "خليفة حفتر"، الذي تكبدت قواته خسائر فادحة، على يد قوات حكومة "الوفاق" الليبية (معترف بها دوليا)، والمدعومة من أنقرة.

ومنذ توقيع اتفاق التعاون العسكري والأمني مع حكومة "فايز السراج"، نوفمبر/تشرين الثاني 2019، نجحت تركيا في إرباك المحور الإماراتي السعودي المصري الفرنسي الداعم لـ"حفتر"، وتعديل موازين المعركة لصالح طرابلس.

وتدعم أنقرة توجها سياسيا يدعو إلى وقف كامل لإطلاق النار في ليبيا، وإطلاق حل سياسي شامل، يمهد لانتقال ديمقراطي بالبلاد، التي تعاني انقساما ونزاع مسلحا منذ العام 2011؛ جراء تدخلات خارجية وحرب محتدمة بالوكالة.

  • حصار قطر

ومع اقتراب دخول حصار قطر عامه الرابع على التوالي في 5 يونيو/حزيران المقبل، يبدو الدعم التركي للدوحة نقطة مفصلية في تزايد العداء الإماراتي ضد أنقرة.

ومنذ تفجر الأزمة الخليجية في 5 يونيو/حزيران 2017، وما رافقها من حصار على قطر فرضته السعودية والإمارات والبحرين ومصر، كان لتركيا دور محوري في إجهاض الحصار، وتعزيز الموقف القطري اقتصاديا وعسكريا، عبر إرسال قوات عسكرية، وتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين.

ويثير نشر قوات تركية في قطر، حفيظة الإمارات التي كانت تقود مخططا للإطاحة بحكم أمير قطر "تميم بن حمد"، وفق تقارير غربية، وهو السيناريو الذي ذهب أدراج الرياح؛ بسبب الدعم العسكري التركي.

  • مصر والإخوان

يعد الموقف المتباين من ثورات الربيع العربي، وخاصة الانقلاب العسكري في مصر 3 يوليو/تموز 2013، هو محطة الانطلاق الرئيسية للشقاق التركي الإماراتي.

وترفض أنقرة التعاطي مع نظام الرئيس "عبدالفتاح السيسي"، وتستضيف قيادات المعارضة المصرية، وتسمح لهم ببث قنوات فضائية من أراضيها، بينما تصنف أبوظبي جماعة الإخوان التي أطيح بها من الحكم على قوائم "الإرهاب".

وتنظر تركيا إلى الإمارات كأحد أبرز الداعمين للانقلاب على الرئيس المصري الراحل "محمد مرسي"، وتشترط الإفراج عن أنصاره قبل إجراء أي اتصالات سياسية مع القاهرة.

  • الانقلاب الفاشل

وليس بمعزل عن الملف المصري، تتهم أنقرة، أبوظبي، بالتورط في دعم الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا 15 يوليو/تموز 2016.

وأبدت وسائل إعلام سعودية وإماراتية مثل "العربية" و"سكاي نيوز" تأييدا صريحا للانقلاب، واحتفت به فور وقوعه، بل وروجت أخبارا كاذبة عن هروب الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان".

ولاحقا، ألمح "جاويش أوغلو" إلى الإمارات، دون تسميتها، قائلا: "إننا نعلم أن دولة قدمت 3 مليارات دولار كدعم مالي لمحاولة الانقلاب في تركيا".

وتدرج السلطات التركية، المستشار الأمني لولي عهد أبوظبي، القيادي الفلسطيني "محمد دحلان"، ضمن قائمة الإرهاب الحمراء، وتتهمه بالضلوع في محاولة الانقلاب الفاشلة.

وتبحث دوائر تركية استخباراتية وأمنية في صلات لـ"دحلان" بجريمة قتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية بإسطنبول على يد فريق اغتيال سعودي عام 2018.

  • عقوبات أمريكية

وضمن حلقات الصراع العلني بين البلدين، تكشفت العام الماضي، تسريبات ورسائل إلكترونية عن محاولات إماراتية لتوظيف شركات ضغط لإقناع أعضاء في الكونجرس الأمريكي بفرض عقوبات على تركيا.

وسعت أبوظبي فيما يبدو لاستثمار الأزمة المحتدمة آنذاك بين واشنطن وأنقرة، وموافقة مجلس النواب الأمريكي، على قرار يطالب الرئيس "دونالد ترامب" بفرض عقوبات على تركيا.

وقبل شهور، كشف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، عن رشوة قدمها ولي عهد أبو ظبي "محمد بن زايد" لإقناع رئيس النظام السوري "بشار الأسد" بمواصلة شن هجماته على إدلب، شمالي سوريا، وخرق اتفاق وقف إطلاق النار بها مقابل 3 مليارات دولار، في محاولة لإزعاج أنقرة، وتوريط الجيش التركي في حرب دامية.

  • القرن الأفريقي

بالمثل، يخوض البلدان صراعا مكتوما على النفوذ في منطقة القرن الإفريقي، مع سعي تركيا لتمديد تواجدها إلى السودان وجيبوتي وإثيوبيا، إضافة إلى وجودها العسكري الراسخ في الصومال.

وتثير الخطط التركية لتطوير ميناء "سواكن" السوداني، مخاوف أبوظبي والقاهرة، من إحياء النفوذ التركي في منطقة البحر الأحمر؛ بما يمثل خطرا على مصالهما هناك، رغم أن هذه الخطط تعطلت مع الإطاحة بنظام الرئيس "عمر البشير" العام الماضي.

في المقابل، تتمتع الإمارات بتواجد عسكري قوي في جنوب اليمن، وفي ميناء عصب الإريتري، وتخطط لإنشاء قاعدة عسكرية في ميناء بربرة بأرض الصومال.

وهناك تسابق كبير في الخطى بين البلدين نحو تطوير علاقاتهما بدول القارة السمراء، بحثا عن شراكات اقتصادية بمليارات الدولارات، وتواجد استخباراتي واستراتيجي، في قارة تزخر بالثروات الطبيعية.

  • تحرش درامي

لم يقتصر الصراع بين البلدين على السياسة، لكنه وصل إلى الدراما، خاصة بعد النجاح اللافت للدراما التركية في مسلسلات، مثل "الفاتح" و"قيامة أرطغرل" و"عثمان المؤسس".

وقبل شهور، تبنت الإمارات إنتاجا إعلاميا ضخما يشوه الإمبراطورية العثمانية، وهو مسلسل "ممالك النار" الذي يستعرض  فترة حكم السلطان العثماني "سليم الأول".

وبلغت ميزانية المسلسل نحو 40 مليون دولار، وجرى الاحتفاء به في وسائل الإعلام الإماراتية والسعودية والمصرية، وتضمن عبارات مسيئة للعثمانيين.

وإضافة إلى ما سبق، برز دور تركيا كقوة سنية مؤثرة في العالمين العربي والإسلامي، بعد مشاركتها في تنظيم قمة كوالمبور الإسلامية المصغرة، العام الماضي؛ ما أثار حفيظة أبوظبي والرياض.

وقد يمتد الصراع التركي الإماراتي مستقبلا إلى ملفات أخرى، وقد يتفاقم جراء زيادة حدة الاستقطاب الإقليمي، والتعارض الواضح بين مصالح وأجندات الطرفين، في عدد من الملفات والبؤر الساخنة عربيا وإقليميا.

المصدر | الخليج الجديد