الاثنين 18 مايو 2020 01:02 م

نكبة فكرية أم وطنية؟

قضية فلسطين مهما أخرجوها من سياقها القومي تبقى عربية ومهما أخرجوها من السياق الإسلامي تبقى إسلامية.

هل أزمة العرب فكرية ثقافية أم سياسية انتمائية، أم في مستوى السيادة، أو في تكوين الشخصية العربية التي تطمح دائماً إلى السلطة؟

زرع كيانٍ استعماري استيطاني غريب على أرض عربية زاد تشرذم الجغرافيا والسياسة العربية ومنذئذ تصاعد التشرذم والخلافات وطال الانقسام شعب فلسطين.

*     *     *

قبل يومين، في الخامس عشر من مايو/أيار، يكون قد مر 72 عاماً على النكبة الفلسطينية، وعلى قيام دولة «إسرائيل» في فلسطين. ولا شك أن مقالات كثيرة قد كُتبت ونُشرت في هذه المناسبة، التي شكلت حدثاً مفصلياً في تاريخ الأمة العربية، أدى إلى زرع كيانٍ استعماري استيطاني غريب على أرض عربية، زاد من تشرذم الجغرافيا والسياسة العربية، ومنذ ذلك الوقت والتشرذم والخلافات في تصاعد مستمر، بل إن الانقسام طال الشعب الفلسطيني ذاته، بصفته ينتمي إلى تنظيمات وأحزاب، كان هدفها العمل من أجل فلسطين.

وأصبح عملها تكريس وجودها ككيانات سلطوية، تمارس سيادة منقوصة على جغرافيا يتم تهديدها كل يوم من قبل الاحتلال «الإسرائيلي»، وآخرها، التهديد بضم أراضٍ من الضفة الغربية، ليجسد هذا الفعل الأخير، نوايا الكيان الصهيوني، وتقييمه للمعاهدات والاتفاقيات التي وقعها مع الفلسطينيين.

جملة من القضايا وردت في هذه المقدمة المطولة، والتي تفرض نفسها قسراً، وتكاد تشكل لب الأزمة الفلسطينية في بعدها الوطني والقومي، على رأسها الانقسام، فلسطينياً وعربياً.

والحديث عن الانقسام يتواتر منذ سبعة عقود من دون التوصل إلى صيغة مشتركة للتعامل معه، وهو ما يؤدي إلى الإبقاء على فلسطين مُحتلة، وعلى ضياع حقوق الشعب الفلسطيني ولاسيّما اللاجئين المحرومين من الاستقرار منذ العام 1948.

القضية الفلسطينية التي هرمت اليوم بفعل الإهمال والانقسام، تمر بأزمة فكرية منذ بدء الصراع، وتتجسد في التنافس بين الدين والقومية، إذ منذ بدء الثورات الفلسطينية ما بعد الحرب العالمية الأولى ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، والحالة النضالية تأخذ إما منحى إسلامياً وإما منحى قومياً، وهذه الحالة في الواقع، هي انعكاس للحالة النضالية العربية أيضاً، إذا جاز لنا التعبير، واشتد الصراع إلى درجة نشوب حروب وحدوث انقلابات.

ومع رحيل زعيم القومية العربية الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، بدأ الاتجاه القومي يتعرض للانحسار، زاد من تدهوره سياسات خرجت من الاشتراكية إلى الرأسمالية، وصاحب هذا الخروج تنازلات في السياسات الخارجية، وواكبها حروب ومناوشات عصفت بالثورة الفلسطينية التي انطلقت في العام 1965، ليبدأ زمن التسويات، وخيار السلام، فلسطينياً وعربياً.

نحن نركز على هذه الثنائية - فلسطينياً وعربياً - لأن القضية الفلسطينية، مهما أخرجوها من سياقها القومي، تبقى عربية، والقضية الفلسطينية، مهما أخرجوها من السياق الإسلامي، تبقى إسلامية، لكن المشكلة تكمن في تفكك وتشرذم السياسات العربية والإسلامية.

فلم تعد فلسطين حاضرة إلا في الكلام الإنشائي والمواقف المنبرية الشكلية، بل تراجع حضورها في الكلام أيضاً في تداعيات الربيع العربي، وتعرضت للتمزّق حتى الآن دولتان كانتا ترفعان شعار القومية والوحدة العربية وهما سوريا وليبيا، وانتشرت الفوضى في دول أخرى مثل العراق واليمن، وعزّز الصراع الطائفي وقد تحول إلى صراع عسكري دموي.

فلسطين كانت ضحية هذا التشرذم الفكري والثقافي حتى قبل النكبة، وتواصل التشرذم وعدم وضوح الرؤية بعد النكبة، واتضح أكثر وتجسّد في التنظيمات الفلسطينية التي رفعت شعار تحرير فلسطين، إذ تبنّت التنظيمات أيديولوجيات مختلفة، منها القومي ومنها الشيوعي الاشتراكي، ومنها الإسلامي، ومنها البعثي والناصري وغيرها.

هل أزمة العرب فكرية ثقافية أم سياسية انتمائية، أم في مستوى السيادة، أو في تكوين الشخصية العربية التي تطمح دائماً إلى السلطة؟ أعتقد أن التأخر في الإجابة عن هذا السؤال أدى إلى شيخوخة القضية الفلسطينية.

* د. عبد الله السويجي كاتب وأكاديمي من الشارقة.

المصدر | الخليج - الشارقة