الاثنين 18 مايو 2020 01:21 م

حرب على الداء والدواء

أي لقاح ضد جائحة «كوفيد-19» يجب ألا يكون خاضعاً لضوابط السوق.

الحرب لا تدور حول الداء وحده، حيث تتقاذف الدول التهم حول مسؤولية تفشيه بل تدور حول اللقاح المزمع إنتاجه لمواجهته.

وتنقل ترامب في تصريحاته ضد الصين من أقصى التهديد والوعيد إلى أقصى المداهنة حتى لتخال أن الرجل لا يرسو على بر.

*     *     *

لم يؤد وباء «كوفيد 19» إلى اندلاع الحروب بين الدول، حتى اللحظة على الأقل، لكنه أشعل حروباً بأنياب أخرى غير الأسلحة، بعضها اقتصادي وبعضها إعلامي، ويندرج هذا الأخير في إطار سيكولوجيا الدعاية إن صحّ القول.

وذلك على نحو ما يفعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحاته المتتالية ضد الصين، التي يتنقل فيها من أقصى جهة من التهديد والوعيد، إلى أقصى جهة من المداهنة، حتى لتخال أن الرجل غير راسٍ على بر.

المؤكد أن عيني ترامب ليستا موجهتين نحو جهود محاربة «كورونا» بمقدار ما هما موجهتان نحو حملته الانتخابية الوشيكة، التي يطمح فيها لتجديد بقائه في البيت الأبيض أربع سنوات أخرى. وهو يحسب أن «مناكفة» الصين إعلامياً ستصرف الأنظار عن تعثر مواجهته الجائحة، وستربك خصومه الديمقراطيين.

لكن الحرب لا تدور حول الداء وحده، حيث يجري تقاذف التهم بين الدول حول من هو المسؤول عن تفشيه، وإنما تدور أيضاً حول اللقاح المزمع إنتاجه لمواجهته.

تتسابق الشركات المنتجة للأدوية، ومعها الحكومات، على من يكون له قصب السبق في إنتاج اللقاح، لا شغفاً بتسجيل الإنجاز العلمي والطبي، وإنما طمعاً في العوائد المالية المجزية من بيعه عندما يطرح في الأسواق.

نذكر الضجة التي أثيرت حين أقالت شركة أدوية ألمانية رئيسها التنفيذي بعد أن تسلم رشوة من الإدارة الأمريكية لنقل أعمال الفريق المنكب على إنتاج لقاح ضد الفيروس إلى الولايات المتحدة، كي يسجل فيها، في حال نجحت جهود إنتاجه، وتعود الأرباح لها، ويومها قال وزير الصحة الألماني غاضباً: «ألمانيا ليست للبيع»!

وها نحن اليوم إزاء ضجة مشابهة وإن اختلفت التفاصيل. شركة سانوفي الفرنسية لصناعة اللقاحات أدلت بتصريحات أفادت بإعطاء أولوية للأمريكيين في لقاح محتمل ل«كوفيد-19»، لأن الولايات المتحدة، حسب بول هادسون، الرئيس التنفيذي للشركة، استثمرت في الشركة وتحملت مخاطر اقتصادية. ولا يختلف دافع واشنطن لهذا الدعم عن الرشوة التي منحت لمدير الشركة الألمانية.

في فرنسا تحوّل الموضوع إلى قضية رأي عام، حيث رأى فيه الفرنسيون صورة من صور انتهاك السيادة الوطنية للبلاد، ومن الجشع الرأسمالي، ووجدت الحكومة نفسها في موقف حرج أمام ضغوط المجتمع المدني التي بلغت حدّ المطالبة بتأميم شركة سانوفي.

الرئيس ماكرون قال: إن أي لقاح ضد «كوفيد-19» يجب ألا يكون خاضعاً لضوابط السوق. رئيس الوزراء إدوار فيليب قال إن أي لقاح سيكون متاحا للجميع دون أي نقاش، فيما وجدت الشركة نفسها مضطرة للتراجع عن أقوالها.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة