السبت 23 مايو 2020 04:24 م

سيصعد وفد أمريكي على متن طائرة متجهة إلى بغداد، الشهر المقبل، للتباحث مع القادة العراقيين حول احتمالية تقليص التواجد العسكري الأمريكي على الأراضي العراقية، وهي الفكرة التي بدت مستحيلة في بداية هذا العام، عندما وصلت التوترات الأمريكية الإيرانية إلى ذروتها مع اغتيال الجنرال الإيراني "قاسم سليماني".

لكن يبدو أن جائحة كورونا والركود الاقتصادي المتزايد والغموض حول المستقبل من شأنهم أن ينجحوا فيما فشل فيه البرلمان العراقي، وذلك بإرغام واشنطن على الانسحاب من المنطقة، وهي اللحظة التي طالما استعدت لها إيران وانتظرتها لتجني ثمارها.

بالرغم من تعثر إيران في التعامل مع تفشي فيروس كورونا، إلا أن سياستها الخارجية في أوج سطوعها، فعلى مدار الأشهر الثلاثة الماضية استفاد الحرس الثوري الإيراني ووكلاؤه الشيعة من التشتت العالمي وغياب واشنطن، لشن هجمات متتالية على أهداف أمريكية. وفي الواقع يبدو أن إيران بدأت تحصل على ما تريده.

ولكن الأمر لن يكون بهذه السهولة بالنسبة للحرس الثوري الإيراني، فخفض التواجد الأمريكي بالعراق لا يعني بالضرورة تخفيف العقوبات المفروضة على إيران، كما أنه لا يعني إفساح المجال لإيران دون عوائق، وستظل هناك الكثير من القيود، حتى في غياب الولايات المتحدة.

انتصار مرحلي

بينما يحاول العالم فهم الوباء الجاري، استأنفت إيران هجماتها على الولايات المتحدة وحلفائها. ففي هذا الأسبوع فقط، تم استهداف المنطقة الخضراء بمحيط السفارة الأمريكية ببغداد بصاروخ يرجح أنه أطلق من ميليشيا متحالفة مع الحرس الثوري الإيراني.

كما رفعت إيران من رهانها في الخليج، ففي أبريل/نيسان من هذا العام، قام 11 زورقًا إيرانيًا بمضايقة سفينة حربية أمريكية من الأسطول الخامس بدرجة جعلت الولايات المتحدة تهدد بإطلاق النار علي السفن الإيرانية في الماء في حالة اقترابهم مسافة 100 متر مرة أخري.

وقد أثبت التصعيد الأمريكي فشله.

لطالما أرادت واشنطن الانسحاب من العراقت، وساهمت الهجمات الإيرانية وتفشي الفيروس التاجي في إعطائها المبرر المناسب لتحقيق ذلك. وهكذا بدأ البنتاجون بسحب قواته من بعض قواعد التحالف.

وفي 4 أشهر فقط انسحبت الولايات المتحدة من أكثر من 5 قواعد، من بينهم قاعدة في القائم تعد أحد أهم القواعد الاستراتيجية بالمنطقة، حيث تقع في نقطة استراتيجية على الحدود السورية العراقية.

وبدلًا من تعزيز وجوده العملياتي في الخليج في ظل الاستفزازات البحرية الأخيرة، آثر البنتاغون تبني خطة واسعة للتقليل من العدد الرسمي لموظفيه في المنطقة، كما أنه يدرس احتمالية سحب حاملة طائرات من أسطوله الخامس مقلصًا من تواجد الأسطول في الخليج، بالإضافة إلى سحب اثنين من أنظمة الدفاع الصاروخية "باتريوت" وأنظمة دفاع جوي ومقاتلات نفاثة من السعودية، مع التفكير في تخفيض أعداد قوات حفظ السلام الدولية في سيناء.

بدورها لم تدخر إيران وقتاً للعمل على زيادة سيطرتها العسكرية في العراق وسوريا، معززة حضورها الدفاعي وطرق التهريب على طول طريق القائم. كما أظهرت صورًا من القمر الصناعي نشرها موقع "ImageSat International" شروع إيران ببناء نفق تحت قاعدة "الإمام علي" العسكرية في البوكمال على الحدود السورية العراقية.

تعمل الأنفاق بين معاقل الوكلاء الإيرانيين في غرب العراق ومواقع الحرس الثوري الإيراني في شرق سوريا على تعزيز استراتيجية إيران لبسط نفوذها في المنطقة، بشكل يسمح لقوات الحرس الثوري ووكلائهم بتخزين المركبات وتأمين المأوى ونقل أنظمة الأسلحة المتطورة، وتهريب الأسلحة من الشرق إلى البحر الأبيض المتوسط.

في نفس السياق، انخرطت إيران أكثر في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فمع تراجع الوجود الأمريكي في سيناء، سعت إيران لدفع الحركات الفلسطينية المسلحة مثل حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"  لمواجهة (إسرائيل)، بالتزامن مع الهجمات المستمرة عن طريق "حزب الله" والهجمات الإلكترونية مثل تلك التي تم تنفيذها مؤخرًا على منشآت المياه الإسرائيلية.

تحديات مستقبلية

بالرغم من كل ذلك، ما زالت إيران تواجه الكثير من التحديات، ففي ضوء الانسحاب الأمريكي، بدأت السعودية على سبيل المثال في إعادة تقييم استراتيجياتها تجاه إيران.

ومع أزمة النفط والركود العالمي والسحب المفاجئ لأنظمة "باتريوت"، ترغب الرياض في إيجاد طريقة سريعة وفعالة لإنهاء العدوان الإيراني قبل أن يبدأ. ولذلك أقر المسؤولون السعوديون فتح محادثاتٍ مع إيران، حيث قام ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" بترشيح رئيس الوزراء العراقي الجديد للعمل كوسيط بين الدولتين.

ولكن هذه المحادثات لا طالما أثبتت عدم جدواها، ولأن الدبلوماسية هي حل أولي فقط، وضعت الرياض خططًا لاستبدال نظامي "باتريوت"، بأنظمة صاروخية خاصة بها، كما أقرت زيادة التدريبات العسكرية تحت إشراف خبراء أمريكيين ووقعت عقدًا مع شركة "بوينج" لتصنيع 1000 صاروخ أرض-جو وصواريخ مضادة للسفن، كل ذلك في سبيل ردع الهجمات الإيرانية المتوقعة.

تعتبر (إسرائيل) أيضًا أحد أكبر العوائق التي تعترض إيران. مؤخرًا زادت (إسرائيل) من ضرباتها على قواعد ومواقع تخزين معدات الحرس الثوري الإيراني و"حزب الله" في سوريا، كما كثفت من دورياتها الحدودية ودمرت العديد من الأنفاق العابرة للحدود، وكثفت من هجماتها الإلكترونية على كيانات إيرانية. في هذا الأسبوع فقط شنت (إسرائيل) هجومًا الكترونيًا على ميناء "شادي رجائي" في إيران متسببة في شل حركة المرور البحرية، وتكدس سفن الشحن على الأرصفة.

ومع تخفيض التواجد الأمريكي في العراق، من المرجح أن تصعد (إسرائيل) من هجماتها على فصائل الحرس الثوري الإيراني في سوريا ولبنان. تجدر الاشارة إلى أن كلًا من (إسرائيل) وعددًا من دول الخليج العربي دخلوا في تحالف هادئ ضد إيران لتبادل المعلومات الاستخباراتية، والمشاركة في محادثات القنوات الخلفية.

تعد التحديات الداخلية أمرًا شاقاً أيضًا، وسيتعين على إيران مواجهة تلك التحديات الداخلية للحفاظ على نفوذها السياسي والعسكري الذي بنته في المنطقة، فمنذ خريف عام 2019، ظهرت حركات سياسية ضخمة في لبنان والعراق احتجاجًا على تردي الظروف الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة والفساد وارتفاع التضخم. وكان الاستياء العام من التدخل الأجنبي خاصة من قبل الجيش الأمريكي والوكلاء الإيرانيين أحد السمات الرئيسية لتلك الاحتجاجات.

في العراق كان عناصر التيار الصدري القومي أحد أهم المعارضين للتدخل الإيراني، حتى أن بعضهم هاجم مباني القنصلية الإيرانية ومقار الميليشيات المحسوبة على النظام الإيراني والتي يرعاها الحرس الثوري الإيراني. بينما في لبنان ظهرت مشاعر معادية للتدخل الإيراني عبر "حزب الله" المستفيد الرئيسي من الدعم السياسي والعسكري والمالي الإيراني.

ومع انسحاب الولايات المتحدة، من المتوقع أن يصّعد المحتجون من موقفهم إزاء التدخلات الإيرانية أكثر.

تمثل سوريا الإشكالية الأكبر. فسوريا كانت من أقوى الحلفاء العرب لإيران منذ عقود، ووجود إيران في سوريا يعتمد بشكل كبير على بقاء رئيس النظام السوري "بشار الأسد" في السلطة. ولكن هناك مؤشرات أن إيران تمر بمرحلة حرجة من أجل الحفاظ على نفوذها في سوريا، فهناك أنباء أن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، أقوى حلفاء "الأسد"، غير راضٍ عن الحكومة السورية.

منذ عام 2015، ساعدت موسكو "الأسد" على البقاء في السلطة من خلال تقديم المساعدات وتوفير دعم جوي، والاستثمار في البنية التحتية التي سمحت للنظام السوري باستعادة غالبية المحافظات التي سيطرت عليها المعارضة المسلحة. وإذا قررت روسيا أن معركتها في سوريا لم تعد تستحق التكلفة، إما من خلال سحب قواتها أو البحث عن بديل لـ"الأسد" لتوحيد البلاد، فإن إيران معرضة لخطر فقدان نفوذها في سوريا.

أخيرًا، هناك الولايات المتحدة، والتي ستظل تمتلك الكثير من القدرات في المشهد في الشرق الأوسط، فالأسطول الخامس والدفاعات الجوية لن يتم سحبهما في المستقبل القريب، كما لا تزل قواتها الجوية تحتفظ بعدة أسراب من الطائرات المقاتلة في قطر والإمارات وأماكن أخرى لا يتم الكشف عنها.

وبالرغم من تقليص الولايات المتحدة لتواجدها في الشرق الأوسط، إلا انها ستزيد من اعتمادها على العقوبات الاقتصادية باعتبرها الوسيلة الرئيسية لدفع إيران نحو الانهيار المالي والسياسي.

كانت واشنطن قد اقترحت بالفعل تمديد حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على إيران، كما تخطط لمعاقبة المسؤولين والشركات الإيرانية الداعمة لنظام "الأسد" بموجب قانون "قيصر لحماية المدنيين السوريين"، وتنظر في فرض حصار على المساعدة المتبادلة بين إيران وفنزويلا بشأن شحنات النفط الأخيرة.

لذا، في حين أن إيران قد تبدو متحمسة تمامًا لتولي زمام الأمور في الشرق الأوسط في حالة انسحاب الولايات المتحدة، فإن الواقع أكثر صعوبة. فالركود الاقتصادي في ازدياد بسبب انهيار صادرات النفط، كما يصارع الريال الإيراني للنجاة وسط ارتفاع خيالي في تكلفة المعيشة. كما أن هناك شبكة من الأعداء والصداقات الضعيفة التي تحول بينها وبين البحر المتوسط.

قد لا يتسبب الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط في حدوث فراغ كبير، لكنه سيغير بالتأكيد من ميزان القوى الإقليمي بطرق من شأنها أيضا استمرار تقييد إيران.

المصدر | كارولين دي روس - جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد