الاثنين 25 مايو 2020 05:23 م

السلطويات و"تفخيخ" المجتمعات

نجاحات مؤقتة قد تمنح النظام وقتا في السلطة لكنها مع الوقت ستصبح قنابل موقوتة تنفجر بوجهه آجلا أو عاجلا.

مسلسل "الاختيار" عمل دعائي موجّه يسعى إلى تعميق الانقسام والاستقطاب السياسي في مصر.

نجح المسلسل في العودة بالحالة "النفسية" للمصريين إلى ما كانت عليه عشية الانقلاب من استقطاب وتناحر وتشاجر.

تكريس الثنائية الحادة المصطنعة بمصر بين العسكر والإسلاميين هو محاولة لإعادة رسم خطوط الاصطفاف المجتمعي وتفخيخها!

*     *     *

تعتاش السلطويات على الانقسامات السياسية والمجتمعية، سواء على أسس أيديولوجية أو إثنية أو عرقية أو مذهبية. لذا، هي تعمل جاهدة على استمرارها وتغذيتها من أجل ضمان البقاء في السلطة، وذلك وفق مبدأ "فرّق تسد".

وهي هنا لا تختلف كثيراً عمّا يفعله الاحتلال الأجنبي الذي يسيطر على الدول عبر تغذية الانقسامات بين فصائله وجماعاته، والعمل على إدامتها من أجل ترسيخ وجوده أطول فترة ممكنة.

رأينا ذلك في بلدان، كالعراق وسورية ولبنان وفلسطين والسودان ومصر وليبيا واليمن التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى بلدان ومجتمعات منشطرة ومنقسمة رأسيا وأفقيا.

خذ مصر مثالاً، منذ جاء النظام الحالي إلى السلطة عبر انقلابه المشؤوم في يوليو/ تموز 2013، وهو يفخّخ العلاقات السياسية والمجتمعية عبر كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة.

كذلك فإنه لا يخجل من استخدام مؤسسات الدولة وتوظيفها من أجل تكريس الانقسام السياسي والمجتمعي، وضمان عدم حصول أي التقاء أو توافق على مشروع وطني جامع بين الفرقاء السياسيين، يمكن أن ينهي الحالة البائسة التي وصلت إليها البلاد. ولن تجد سياسةً تدفع باتجاه الانقسام وتغذيته وإدامته إلا وقد اتبعها هذا النظام من أجل بقائه في السلطة.

عرضت، أخيراً، قناة فضائية مصرية مسلسلاً تلفزيونياً اسمه "الاختيار"، يتناول سيرة شخصين متناقضين ومنقسمين فكرياً وأيديولوجياً وسياسياً، خدم كل منهما في الجيش المصري خلال العقدين الأخيرين.

أحدهما، وهو الرائد هشام عشماوي، تحوّل إلى إرهابي يكفّر ويقتل كل من يخالفه عقدياً ودينياً، والثاني وهو العقيد أحمد منسي، استمر في الخدمة العسكرية حتى قُتل في مواجهة مع متشدّدين في سيناء.

وبعيداً عن تفاصيله، المسلسل أقرب إلى عمل دعائي موجّه يسعى إلى تحقيق هدف واحد، وهو تعميق الانقسام والاستقطاب السياسي في مصر.

لذا، لا يمكن بحال اعتبار هذا المسلسل عملاً درامياً عادياً، شأنه شأن غيره من الأعمال الدرامية التي حفلت بها الشاشات التلفزيونية في شهر رمضان، وإنما رواية رسمية للدولة المصرية عن مواجهتها خصومها الإسلاميين، وخصوصاً المتشددين.

وفضلاً عن سعي المسلسل إلى تكريس الثنائية الحادة في مصر ما بين العسكر والإسلاميين، وهي ثنائية مصطنعة إلى حد بعيد، فهو أيضاً محاولة لإعادة رسم خطوط الاصطفاف المجتمعي وتفخيخها، من خلال اعتبار كل مَن يقف إلى جانب السلطة من "المواطنين الشرفاء والموالين"، ومن يقف على الطرف الآخر من "الخونة والعملاء" الذين يستحقون القتل.

وهو ما كشفته حالة اليوفوريا والانتشاء الوطني التي رافقت المسلسل، وتلت عرض حلقاته الأخيرة التي أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد للمسلسل ورافض له، والتي تجاوزته كعمل درامي إلى التذكير بالانقسام الحقيقي الذي تعيشه البلاد منذ سبع سنوات.

ووصل الأمر إلى حد نشر مقاطع أصلية من مشهد إعدام عشماوي على صفحات الممثل الذي أدّى دوره في المسلسل بشكل أقرب إلى سلوك العصابات والجماعات الإرهابية التي تنشر صور ضحاياها من دون حرمة أو حساب لتداعياتها على السلم الأهلي.

وبدلاً من أن يستنكر القوم هذا الفعل المشين، احتفلوا به بشكل أقرب إلى ممارسات القرون الوسطى التي كان يتحلق فيها الناس أمام حلبة المصارعة يهتفون للمتصارعَين إلى أن يقتل أحدهما الآخر.

لا يعبأ النظام الحالي بتداعيات هذا الانقسام ومخاطره على النسيج المجتمعي، خصوصاً على المدى الطويل. بل على العكس، هو يسعى عمداً إلى صناعته وإدامته وإذكائه كلما خبَت ناره.

كذلك فإنه حريصٌ على نشر سرديته وروايته عن الأحداث، واحتكار كتابة التاريخ من وجهة نظره التي تفتقد المصداقية والنزاهة والمروءة في الخصام.

وهو في ذلك لا يكذب على نفسه فحسب، بل على أتباعه وأنصاره المهووسين به، وبروايته، إلى الحد الذي يدفعهم إلى الدخول في مواجهاتٍ لفظية وشخصية مع من يختلفون مع روايتهم ورؤيتهم للتاريخ.

وبهذا، يكون صنّاع المسلسل، ومن يدعمونه ويقفون وراء إنتاجه وإخراجه، قد نجحوا في تحقيق هدفهم الرئيس بتعميق الانقسام السياسي وتفخيخ العلاقات المجتمعية.

كذلك فإنهم نجحوا في العودة بالحالة "النفسية" للمصريين إلى ما كانت عليه عشية الانقلاب من استقطاب وتناحر وتشاجر. وإنْ كانت هذه المرّة ليست على الأحداث نفسها، بل على روايتها وسرديتها.

ولكن هذه النجاحات بطبيعتها مؤقتة، ولربما تشتري للنظام بعض الوقت، بغرض البقاء في السلطة. لكنها مع الوقت ستتحول إلى قنابل موقوتة تنفجر في وجهها، آجلاً أو عاجلاً، ولنا في العراق ولبنان واليمن عبرة وموعظة حسنة.

* د. خليل العناني أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدوحة للدراسات العليا.

المصدر | العربي الجديد